
كتبت باسمة عطوي في "المستقبل": نقلت إنفراجات العاصفة الثلجية عدواها الى عاصفة الازمة الحكومية، التي يبدو أنها ستشهد خاتمة لأحزانها وإنفراجاً ملموساً "خلال الساعات المقبلة"، من خلال توقيع وزير العمل شربل نحاس مرسوم النقل. ما يسترعي البحث في جزئيات المشهد الذي تشكل شيئا فشيئا مع يوميات الازمة الحكومية، فإذا كان فرج مرسوم النقل آتياً لا محالة، فإن حسابات الربح والخسارة بين طرفي المواجهة لا بد أن تبدأ بالظهور بعد هدوء أمواج المواجهة، ليطفو على السطح تساؤل عن الضمانات لعدم تكرار ما حصل عند كل مفترق وإستحقاق معيشي.
الاجوبة على هذه التساؤلات تأتي سريعا من أجواء بعبدا التي تجزم في شكل قاطع بـ"تمسّك رئيس الجمهورية ميشال سليمان بحماية تطبيق الدستور وصلاحيات مؤسسة مجلس الوزراء وضرورة التقيد بقراراتها، والعمل لعدم تكرار ما حصل". في حين أن حسابات الربح والخسارة عند رئيس الحكومة نجيب ميقاتي "تقرّ بأنه ربح في تحصين صلاحيات الرئاسة الثالثة، وخسر في تسجيل إنجاز لحكومته يحاكي يوميات الناس وتطلعاتهم".
التفاؤل بقرب انتهاء الازمة الحكومية مردّه الى أجواء قصر بعبدا الذي زاره الرئيس ميقاتي ظهر أمس، لوضع الرئيس سليمان في أجواء إتصالاته التي يجريها، لتأمين "ولادة قيصرية ناجحة " لحل مشكلة مرسوم بدل النقل. لم تدم الزيارة أكثر من ربع ساعة، لكن أجواء بعبدا إكتفت بالقول "أن ميقاتي نقل الى سليمان أن ثمة حركة مشاورات تأخذ منحاً إيجابياً بالشكل على الاقل، ولذلك يأمل رئيس الجمهورية من خلال هذه الحركة أن يوقع نحاس مرسوم بدل النقل، ليتحدد بعد ذلك موعد جلسة لمجلس الوزراء بأسرع وقت ممكن، ومن الارجح أن تكون خلال الاسبوع الحالي ".
ترفض أجواء بعبدا الدخول في تفاصيل "طبخة الحل"، أو الايادي التي ولفت مكوناتها، إنطلاقا من موقف مبدئي لرئيس الجمهورية "بأنه راعي المؤسسات الدستورية، والمسؤول الاول عن عدم التعدي على صلاحياتها، وبالتالي فالاهتمام بتفاصيل العمل الحكومي هو من مهام الرئيس ميقاتي التي نص عليها الدستور، والرئيس حريص على التقيد به نصاً وروحاً".
و بالرغم من كل الاشارات بأن التوقيع سيتم اليوم، ألا أن أجواء رئيس الحكومة نقلت، ان الرئيس ميقاتي لم يبلغ بذلك من أي جهة رسمية، لكن مؤشرات إيجابية عدة ينقلها نواب "التيار الوطني الحر"، تفيد بأن المرسوم سيوقع الثلاثاء على أن يصار الى "قوننة" بدل النقل في جلسة الاربعاء التشريعية". وتعود المصادر لتؤكد "أن التوقيع سيكون المفتاح الاول لباب الحل، وبأن ميقاتي لن يقبل في نقاش هذه الخطوة ليس لحسابات شخصية، بل لحسابات تتعلق بصلاحيات الرئاسة الثالثة".
وبغضّ النظر عن التوقيع أو عدمه فإن المواجهة التي شهدها ملف الاجور ولاحقاً مرسوم النقل، بين كل من التيار الوطني الحر من جهة وبين الرئيسين سليمان وميقاتي من جهة أخرى يدفع للبحث في حسابات الربح والخسارة بين الفريقين، إن لم يكن في المجمل، فعلى الاقل بالنقاط. تبتعد أجواء بعبدا عن تناول الامر من باب الربح والخسارة، "لأن الاهم بالنسبة الى رئيس الجمهورية هو أن يربح المواطنون المصدومون من كيفية التعاطي الحكومي مع ملف الاجور والنقل منذ أشهر". وتصف الاجواء "ما حصل بأنه "ثبات" كل من رئيسي الجمهورية والحكومة على موقفهما القائل بضرورة إحترام قرارات المؤسسات الدستورية ومنها مجلس الوزراء وهذا ما حصل بالفعل، ورئيس الجمهورية لن يقبل بعدم توقيع نحاس لأن ذلك يعني تمرداً على قرارات المؤسسة التي يعمل تحت مظلتها، عملا بأحكام الدستور وعملا بالمادة 22 من النظام الداخلي لمجلس الوزراء".
تضيف الاجواء أن "من ربح هو القانون والدستور، لأن ما حصل كرّس نتائج مهمة أوّلها أن توقيع نحاس، إذا حصل، يعني أن السابقة التي قام بها لن تتكرر سواء معه أو مع أي وزير آخر وفي أي ملف كان، و النتيجة الثانية هي تكريس مبدأ الديمقراطية التي يدعي الجميع التمسك بذيولها، بمعنى إذا كان وزيرا ما معترضا على قرار لمجلس الوزراء، فعليه أن يتصرف داخل المؤسسة التي ينتمي إليها وضمن الاطر الديمقراطية التي تسمح له بالاعتراض على القرار، وفي الوقت نفسه تقديم الحجج التي تقنع الآخرين بالسير وفقا لوجهة نظره، وإلا فعليه التوقيع مع تسجيل إعتراضه أو الاستقالة".
وتكاد الاجواء تجزم بأن ما حصل في ملف النقل لن يتكررالى الملفات الاخرى، لأن الجميع يعرف خطورة هذا الاداء الحكومي، الذي يمكن أن ينعكس سلباً على "الوضع الداخلي للمتمردين أنفسهم قبل غيرهم".
حسابات الربح والخسارة بالنسبة إلى رئيس الحكومة، يقاربها القيادي الشمالي خلدون الشريف، من خلال تذكيره بسلوك رؤساء الحكومات السابقين في التصدي لأي تطاول يمس صلاحيات الرئاسة الثالثة، فيشير الى انه "في النتيجة الكلية للأزمة التي حصلت، من الصعوبة بمكان أن يقبل رئيس حكومة التفريط بمقام رئيس حكومة لبنان، وهذا أمر نتذكره جميعا حين جاء الرئيس سليم الحص الى الرئاسة الثالثة، وقيل حينها بأن الرئيس الراحل إلياس سركيس أتى بشخصية مغمورة، فإذا بهذه الشخصية المغمورة تبدو أكثر صلابة في التمسك بصلاحيات رئيس الحكومة، وقبل ذلك حين كان الرئيس رشيد الصلح رئيساً للحكومة وتعرض لما تعرض له في مجلس النواب على يد النائب أمين الجميل آنذاك، إنتفض النائب رشيد الصمد ليدافع عن المركز السني للحكم في لبنان. بالمحصلة المسألة ليست طائفية بل أن رئاسة الحكومة هي المنصب الأرفع للسنة في لبنان بحسب الدستور ووثيقة الوفاق الوطني، والشخص الذي يعتلي هذا المنصب يصبح رئيسا لمجلس الوزراء، وممثلاً للطائفة السنية في الحكم فتكون عندئذ مسؤوليته مضاعفة. من هذا المنطلق لا يستطيع الرئيس ميقاتي وسواه ان يقبل بأن يقوم وزير بضرب صلاحيات رئيس الحكومة ومجلس الوزراء مجتمعا، المسألة ليست مسألة مكاسب سياسية أو تسجيل نقاط لطرف على الآخر بل مبادئ وخطوط حمر يصونها الدستور ويثبتها إتفاق الطائف".
ولكن أين تقع خسارة ميقاتي؟، يجيب الشريف بالقول إن "الخسارة وقعت في التفاصيل وبشكل مباشر، بمعنى أن هذه الحكومة إستطاعت أن تصدر العديد من القرارات والقوانين والتشريعات، لكن ذلك لا يخفي عجزها عن تحقيق إنجاز يشعر به اللبنانيون. بمعنى أن هذه الحكومة لم تحقق إنجازا يرضي طموح الشعب اللبناني ويشعر به في يومياته، سوى الاستقرار الامني وهذا لا يكفي على الاطلاق، من هنا إعلان رئيس الحكومة بأنه يريد "ان تكون هذه الحكومة أكثر إنتاجية في ملفات يمكن أن يلمسها اللبنانيون ومنها ملء الفراغ في الإدارة العامة الذي بلغ نسبا خيالية وهي على سبيل المثال 76 بالمئة في وزارة العدل وحدها".
لكن ما هي الضمانات من ألا يتكرر سيناريو النقل في ملف التعيينات، الذي من المفروض أن تعالجه الحكومة في أول جلسة لمجلس الوزراء، يقول الشريف "في التعيينات لن يكون هناك رابح ولا خاسر، بل تطبيق الآلية التي تم وضعها في عهد الرئيس سعد الحريري، أي ترشيح ثلاثة أسماء من الوزير المختص ويتم التصويت عليها في مجلس الوزراء، في حين أن التعيينات التي لا تشملها الآلية تخضع للتوافق وإلا بالتصويت كما ينص الدستور".