يتصرّف وليّ الأمر في قوى 8 آذار وكأن الحوار اللبناني خيار وليس قراراً لا بد منه، أو كأن البدائل عنه متوافرة وكافية للمحافظة على الاستقرار القائم أولاً وعلى تلقّف التطورات السورية بأقل قدر ممكن من الخسائر ثانياً.
وبلغة ناشفة يمكن مقاربة تلك القضية، وليس بلغة نَسِيَ معظم اللبنانيين كيفية الحكي بها نتيجة "الإنجازات" المتتالية لفريق الممانعة على مدى السنوات الماضية.
وفي تلك اللغة، إن الإصطفافات السياسية والمذهبية التي ترسّخت، أخذت في طريقها دواعي البيان الوطني الجامع، ومعه بيان الوحدة الإسلامية العزيزة والمرتجاة، بل أخذ معه أو يكاد، معظم القواسم المشتركة الرابطة بين أناس يُفترض أنهم يعيشون في وطن واحد وتحت سماء واحدة ويحملون هوية واحدة!.. وكي لا يُقال أكثر من ذلك، تطلّ الدعوة الى إعادة وصل ما انقطع من خلال الحكي المباشر بين المعنيين، باعتبارها "مفاوضات" بين قوى وهيئات لا يجمع بينها شيء(!) لكن لا مصلحة لها في تحويل الحرب الدائرة بينها الى صراع حار لا يكسب منه أحد، كما لا قدرة فيه لأحد على الدخول في معمعة مدمّرة للذات تحت شعار الحفاظ على تلك الذات!
وأحكام الضمير، وموجبات العدل ومشتقاته، تدفع الى تكرار الإستنتاج الوحيد الأكيد، بأن أهل الممانعة المحليين والإقليميين عملوا من دون كلل ولا ملل ولا شطط، على ترسيخ وتثبيت دعائم الإنقسامات الوطنية بكل طريقة ممكنة، بدءاً باستخدام السلاح (علناً وسراً!) أو وضعه في وجه الجميع كلما دقّ الكوز بالجرّة، وصولاً الى التعطيل والتنكيل بالمؤسسات الدستورية وبنتائج الانتخابات التشريعية العامة، مروراً بالفظاظة التي لا مثيل لها، للخطاب التخويني السياسي والإعلامي الموجّه الى الآخرين.
ولم يكن ذلك المراس عشوائياً ولا مزاجياً بل جزءاً أساسياً من مشروع السيطرة على القرار اللبناني من أوّله الى آخره، في سياق المشروع الأكبر الممتد من طهران الى بيروت.. عدّته تتراوح بين حدّ السكين ورزم المال الحلال. من لا يستكين للأولى قد يرضخ للثانية. والإقصاء خيار مطروح: لا تهمّ هوية الآخر المطلوب أن يرعوي، بل ما يهم هو انضواؤه تحت المظلّة الممانعة. إن حَصَلَ وقَبِلَ الضبضبة كان به، وإذا لم يحصل ذلك فلتوضع موضع التنفيذ محاولات الفرض والكسر والإلغاء والإمحاء، وليدقّ النفير ولتُسمم الدنيا ولتتوضح وترسم "الحدود" بين الناس والجماعات أكانت تلك سياسية أم طائفية أم مذهبية!
منذ سبع سنوات عجاف، واللبنانيون يعيشون على وقع تلك المحاولات ليس إلاّ. وظالم ومفتر من يوزّع المسؤوليات بنسب متساوية بينهم ومن يطمس أو يتخطى وقائع كثيرة في رأسها أن "الفعل" كان للممانعين و"ردّ الفعل" كان للسياديين والاستقلاليين!
.. وصلنا بعد لأي، وبعد أن ضُربت بالحيطان عمليات الانقلاب وأساليبها، وبعد الارتباك الفظيع الذي أصاب ويصيب أهل اليقين الممانع نتيجة الثورة السورية، وبعد إنكشاف الخريطة السياسية والجغرافية عن بوادر حصار يكتمل شيئاً فشيئاً.. وصلنا الى نقطة لا مفرّ معها من محاولة إعادة لململة النسائج الموحّدة، والحدّ من "تدفق" الخسائر وتراكمها.
يكابر أهل المكابرة، ويأخذون بالصوت العالي كل صغيرة وكبيرة ويحوّلونها الى قضية حياة أو موت، فيما الدنيا "تفاصيل" لا تنتهي، بعيدة عن كل تلك الحواسم. وفي مقدّم تلك "التفاصيل" أن اللبنانيين محكومون بالحياة معاً، وأن الموت عنوان يليق بالنزاع مع الأعداء.. أم نَسِيَ الممانعون الخريطة تماماً، وصار الشعب اللبناني "الآخر" ومعه الشعب السوري هما العدو!؟