ليس مدحاً لخادم الحرمين الشريفين، ولكن ما نقوله عنه اليوم هو من باب التقدير والتقييم، لأن كلامه أمام العلماء والأدباء والزعماء عندما استقبلهم في قصره في الرياض كان كلاماً جريئاً وشجاعاً وعفوياً وصادقاً، انتقد فيه وضع الأمم المتحدة عندما تسبب "الفيتو" الذي استخدمه الروس والصينيون ضد قرار الجامعة العربية، باهتزاز الثقة بالأمم المتحدة.
قال بصراحة مدوية إنه لا تستطيع دولة من الدول ان تحكم العالم، وأن تزوّر إرادته، وان تقف ضد العدل والانصاف والأخلاق والقيم.
العالم يحكم بالعقل، والحكمة، والانصاف. كلمات تصدر عن ملك لم تعتد دولته على إصدار الكلام مجازفة، بل كانت تقلل من الكلام وتكثر من العمل، وكانت تزن كل كلمة تقولها بميزان العقل والحكمة، حتى قيل إن حكام السعودية هم حكماء العرب، لذلك كان كلام خادم الحرمين الشريفين معبّراً عن ضمير الأمة العربية، وناطقاً باسمها، بل كان معبّراً عن وجهة نظر كثير من الأمم المحبة للعدالة والمؤمنة بها في العالم، لذلك رأينا كيف ان هذا الكلام ترجم في الأمم المتحدة الى موقف تاريخي، صدر عن مائة وسبعة وثلاثين دولة ترفض الظلم والاستبداد والقمع الجماعي الذي يقوم به نظام بشار الأسد وتقف معه إيران وروسيا والصين، وما شابههم من الأمم التي مات ضميرها، تحت وطأة المصالح المادية والمذهبية والسياسية.
فكانت معارضتها للقرار الصادر عن مجلس الأمن وكان الموقف المخزي والذي يتعارض مع أبسط قواعد العدالة الإنسانية والحقوق الإنسانية.
لقد أزدرى العالم الموقف الروسي والصيني، واحتقره، فجاء قرار الأمم المتحدة ليردد ما قاله الملك عبدالله آل سعود.
استنكر العالم كله ما يجري على أرض سوريا من مذابح ومجازر وإبادة جماعية، وقتل للأطفال والنساء، واعتداء على كرامة الإنسان وحياته، وزجّ الناس في المعتقلات والسجون وتعذيبهم وممارسة اقصى درجات الإهانة والإذلال ضدهم لانهم يطالبون بالحرية والكرامة الإنسانية.
هذا الموقف العالمي كان إدانة صريحة لكل الذين يؤيدون بشار الأسد ويساعدونه على ارتكاب المجازر الوحشية ضد الشعب السوري البطل.
لقد أدانوا الموقف الإيراني والموقف الروسي والموقف الصيني إدانة لا تحتاج الى دليل.
قالوا لهم: أنتم أعداء الإنسانية وأعداء الأخلاق، وأعداء العدالة، وأعداء المجتمع الإنساني كله.
لقد عزلوا روسيا والصين وفوقهما إيران. وحكموا على مواقف الخزي والعار بأنها مواقف تخلّف حضاري ووحشية الى أقصى درجات الوحشية.
لا يمكن للعالم ان يسكت على حاكم مصاب بلوثة الإجرام والجنون يحكم على شعبه بالإبادة لأنه قال له: لا نريدك حاكماً علينا.
خمسون سنة من الاستبداد والديكتاتورية البشعة والطائفية المغرقة في الانغلاق والتعصب عاشها الشعب السوري تحت سلطة ديكتاتور اسمه حافظ الأسد وابنه بشار الأسد.
وعندما فرغ صبر الشعب، ولم يعد بإمكانه السكوت على الإذلال والإفقار والقتل والتعذيب ومصادرة حرية الرأي، انفجر الشعب وصرخ بملء فيه "اذهب لا نريدك حاكماً علينا"، فتحوّل الحاكم الى وحش كاسر يدمر المدن والقرى ويسحق الأحرار الذين تظاهروا للخلاص من هذا الحكم البائس المريض.
ومع ان العالم كان يشهد على شاشات التلفزة كيف ترتكب الجرائم الوحشية ضد الإنسانية وضد الشعب السوري، ظهرت دول مريضة ومتخلفة لتدافع عن هذه الأعمال الوحشية والبربرية ولتساهم مع الحاكم المجرم في القتل والتعذيب والسجن والاعتقال.
كانت هذه الدول إيران وأطماعها في المنطقة العربية وغرور أنصارها ومؤيديها واندفاعهم في ارتكاب الجرائم على رؤوس الاشهاد ودون خوف من الله، ولا خوف من دول العالم التي أدانت هذه الوحشية الموصوفة.
كان كلام الملك عبدالله كلام إنسان ملهم وصاحب رؤية وضمير، يشعر بالمسؤولية عما يحدث أمام الله وأمام الشعوب العربية وأمام العالم أجمع.
ومع ذلك قام من يطعن ويشكك بهذا الموقف ويندد من دون حياء أو خجل.
الذين أحسن لهم هذا الإنسان الكبير ومد لهم يد العون والمساعدة، وأعاد بناء منازلهم ومدنهم وقراهم، وأغرقهم بعطائه الخيّر، وجعلهم يتمنون أن تغير عليهم إسرائيل مرة ثانية، لكي يأخذوا الأموال الطائلة التي أنفقت عليهم ويضعوا نصفها في جيوبهم؛ وبدل أن يشكروه ويحفظوا جميله، أخذوا في مهاجمته كعدوّ لهم، بينما كانوا يمتدحون من لم يقدم لهم سوى النزر اليسير لمساعدتهم على تخطي أزمتهم التي تسببت بها هجمات إسرائيل.
انكشفت الوجوه القبيحة وظهرت على حقيقتها، ليس في الأمم المتحدة فحسب، بل في المنطقة العربية والإسلامية، وانكشفت معها شعارات المقاومة المزيفة التي انشئت من أجل خدمة مشروع مشبوه اسمه المشروع الفارسي الذي يهدف الى زرع الفتنة في العالم الإسلامي والعربي، ونشر ثقافة الكراهية المذهبية والعرقية والباطنية، واثارة الخلافات بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد.
كانت إيران وما تزال ومنذ الخميني، مصدر القلاقل والحروب والمجازر الوحشية في العالم العربي امتداداً من العراق الى البحرين الى الكويت والسعودية وبلاد الخليج، الى لبنان وسوريا ومصر والمغرب وتونس والجزائر وبلاد افريقيا.
كانت إيران عاملاً مهماً تهدف الى نشر الشرور والآثام في العالم الإسلامي.
أما روسيا فقد فقدت مصداقيتها في العالم العربي والإسلامي وأصبح الناس ينظرون اليها كدولة انتهازية تتاجر بدماء الأبرياء في سوريا، وليس عندها مانع ان يذبح الشعب السوري كله في سبيل ان تحقق أهدافها المادية والسياسية.
أما الصين فإن كثيراً من الشعوب العربية تفكر في أن تقاطع صناعتها، وما تصدّره إلينا من بضاعة رخيصة بعيدة عن الاتقان والجودة، لأن موقفها لم يكن مشرفاً بأي شكل من الأشكال، وذلك رداً على معاداتها لعدالة المطالب التي ينادي بها الشعب السوري الذي يريد الحفاظ على كرامته وحريته.
لا بد أن نحيي موقف خادم الحرمين الشريفين وأن نحيي مواقف دول الخليج التي بادرت بسحب سفرائها من سوريا، وطرد السفراء السوريين من بلادها احتجاجاً على الموقف الإجرامي والوحشي الذي يقفه بشار الأسد وقومه من الشعب السوري الذي يطالب بحقه في العدالة والإنصاف والحرية.
شكراً خادم الحرمين الشريفين، وبارك الله لك ولشعبك هذه المواقف التاريخية المشرّفة.
