#dfp #adsense

لبنانيو الخارج والثورة السورية

حجم الخط

إلى لبناني مغترب يبحث عن إجابة

طوال اليومين الماضين انشغلت كثيراً بالتفكير بصوت مواطن لبناني مرتفع أتاني من إحدى دول أوروبا، رافضاً ومحتجاً وطارحاً عليّ أسئلة صارمة جداً وأحياناً مؤلمة عن حقيقة «التفجّع» الذي نبديه عموماً حول ما يدور في سوريا من أحداث ومجازر، طوال أكثر من 75 دقيقة طرح عليّ مئات الأسئلة «المستنكرة»، و»الشفافة» التي تلتصق بذاكرة كلّ مواطن لبناني حول ثلاثين عاماً من احتلال النظام في سوريا للبنان و»استعباد» شعبه، وبلغت التساؤلات ذروتها عندما سألني عن درجة «كذبنا» فيما نبديه تجاه تدمير حمص وحماه ودرعا والزبداني وإدلب وكل المدن والقرى السورية.

وأعترف أنّ معظم اللبنانيين الذين غادروا لبنان خلال الحرب، لم يحدث ذلك الفصل في ذاكرتهم، وأنهم شاهدوا عن بعد يوم لبنان التاريخي في 14 آذار عبر الشاشات، وأنهم عاشوا انكسار جدار الخوف من خارج وطنهم الذي هجروه ودافعهم الأول الانعتاق من الحرب الطاحنة فكان خيارهم صعباً بين البقاء والموت أو الرحيل للبحث عن مستقبل في وطن بديل، وأنّ الثورة في سوريا وتعاطف لبنانيين كثر مع الشعب السوري جعلهم يُصدمون بهذا التعاطف إلى حدّ تصنيفه في خانة التكاذب الإنساني!!

احتجت للتفكير مطوّلاً في البحث عن إجابة لأسئلته الكثيرة الصارخة، سمعت خبط قبضة يده على الطاولة مراراً وهو يطرح عليّ أسئلته المتفجرة في الذاكرة، كان انفعاله حقيقياً وصادقاً وصادماً، لم أجد إجابة لسؤاله عندما شرحتُ له عن نظرية الفصل بين النظام وشعبه التي نمارسها منذ العام 2005، ولذت بالصمت عندما سخر من نظريتي بسؤاله: «حدثيني عن تظاهرة واحدة نظمها السوريين تضامناً مع لبنان وشعبه عندما كانت راجمات صواريخ النظام السوري تدكّ المناطق اللبنانيّة؟ هل خرج صوت واحد منهم ليدافع عن شعب لبنان»؟! وجدته ما زال واقعاً تحت وطأة أعوام الحرب، أبدى سخرية كبيرة من مواقف فريق 14 آذار المتعاطفة، وأعترف أنني للمرة الأولى أصطدم بحالة لبنانيّة حقيقيّة، هي تلك الشريحة التي خرجت هاربة من وطن لا مستقبل له في ظلّ احتلال أذلّ اللبناني في وطنه وقاده إلى المعتقلات لمجرد رغبته في أن يكون وطنه سيداً حراً ومستقلاً، وآمناً، هؤلاء اللبنانيّون يُعانون، حتى لو لم يتلمسوا بعد أن في داخلهم صراع إنساني يحتاج أن يصل إلى التصالح مع الذات والوطن والآخر.

يوم 14 آذار عام 2005، بل ذلك الشهر الممتد من 14 شباط حتى 14 آذار 2005 كان طريق لبنانيي الداخل المعبّد باتجاه قلب الطاولة، هؤلاء أحسوا بانتصارهم حقيقة على الدبابة وراجمة الصواريخ السوريّة، وأنهم واجهوها سلمياً وهزموها أخرجوها من لبنان، لبنانيو الخارج عاشوا المشهد ولم يعيشوا الإحساس الحقيقي بلحظة المواجهة تلك، وهنا يكمن الفارق الخطير في قدرتنا على المصالحة مع شعب سوريا لا نظامها، هو أيضاً كان ضحيّة نفس النظام، وهاهو اليوم يدفع ثمن انعتاقه منه.

تساؤلات هذا المواطن اللبناني حقيقيّة، وصعبة، وجارحة أحياناً إلى حدّ جلد الذات والآخر، كان صادقاً عندما اعتبر قسماً كبيراً من اللبنانيين مصاب بعقدة التعلّق بالجلاد، ثمّة حقيقة لا بدّ من اعترافنا بها، أننا نعيش معادلة صعبة أوصلها كثيرون إلى حدّ «النواح»، سألني وصوت طرق قبضته على الطاولة: «سقطت على رؤوسنا آلالاف الصواريخ السورية عام 1976، كُنّا أطفالاً، دفعنا أثماناً باهظة عن كلّ العالم العربي، تحملنا فلسطين وقضيتها فذبح مسلحوها من الوريد إلى الوريد، وجرّوا علينا ويلات الاجتياح الإسرائيلي، تحملنا إذلال الحواجز السورية وتسييرهم للناس بهزّة من «شحاطة» يلبسها جندي خدمة إلزامية، والآن نتحمّل عبء مغامرة حزب الله الإيرانيّة، وبوعي شديد قال لي: «أنتم تكذبون على أنفسكم وعلينا»، والجرأة التي قد تدّعونها هي أيضاً واهمة، وأدلته وبراهينه حقيقيّة، ولكن… لا بدّ من تصالح ومسامحة للذات، علينا أن نعترف أننا لم نكن ضحايا بل كنا شركاء في التآمر على وطننا، وما زلنا، دائماً هناك فريق أو طائفة تتآمر على وطنها وتدين بولائها لخارج هو «التمويل» بصرف النظر عن هويته!!

وأعترف، أنّه ما لم يتمّ ردم هذه الهوّة في وجدان اللبناني المتغرّب قسراً لا اختياراً ـ إذ ليس كل اللبنانيين مغتربين ـ فمن الصعب أن نطمح يوماً إلى إيجاد أرضية مشتركة نقف عليها نحن وهم، قبل أن يُنهي مكالمة لائحة التساؤلات والتحديات التي ألقاها في وجهي ترك في أذني فلسفة بيرغ: «الشرّ ينتصر لأن أنصار الخير لم يفعلوا شيئاً»، أتمنّى أن يتسنّى له قراءة هذه المصارحة، هي لا تحمل إجابة لأنّ الأسئلة مطروحة على شعب بكامله ما زال في معصرة المحن ولم يغادرها أبداً!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل