
كتب فؤاد ابو زيد في صحيفة "الديار":
في أدبيات الحياة الدنيا للمسيحيين الكاثوليك، ان بابا روما، رئيس اعلى سلطة دينية للكاثوليك، هو الوحيد المعصوم عن ارتكاب الخطأ.
وفي الاقوال المأثورة عالمياً، عند الكلام عن شخص يراد تقريظه واحترامه ونفي اي تهمة عنه، ينعت بأنه مثل امرأة قيصر فوق كل شبهة، علماً بأن ارتكاب الخطأ او الخطايا لدى الجنس البشري، عمره من عمر حياة الانسان على هذه الارض، عندما ارتكب جدّانا ادم وحواء الخطيئة الاصلية الاولى، التي ما زالت البشرية تتحمّل اوزارها الى يومنا هذا، وستبقى تتحمّلها حتى مجيء الدينونة.
في المقابل، هناك ادبيات اخرى شائعة وجدت لتخقيف وطأة الخطأ على مرتكبه، عندما يقال ان الاعتراف بالخطأ فضيلة، او يقال ان من لا يعمل لا يخطئ، وهذا القول هو نوع من الردّ على المنظّرين الذين لا يعملون شيئاً ويتّهمون من يعمل بارتكاب الاخطاء.
ان يعترف الانسان بخطأ ارتكبه، او تحميل ذاته خطأ ارتكبه غيره، فهذا نوع من انواع الشجاعة العاقلة التي يتحلّى به قليلون قادرون على النظر في عيون غيرهم ليقولوا: نعم نحن اخطأنا وهم في اعترافهم هذا كمن يكتب على ذاته عهداً مستحق السداد في كل لحظة.
الدكتور سمير جعجع قائد القوات اللبنانية، ليس بابا روما، وليس امرأة قيصر، ولكنه عمل الكثير من اجل حزبه وطائفته ووطنه، عندما طلب منه الواجب ان يخلع رداء الاطباء ويرتدي لباس المقاومين، ومن يعمل يخطئ، ومن يتحلّى بالشجاعة والشفافية، يعترف بخطأه، ويتحمّل مسؤولية ما اخطأ به غيره، ولذلك اقدم جعجع طوعاً على الاعتراف بالخطأ وبتحمّل المسؤولية، حيث لم يجرؤ الآخرون، الذين غطسوا الى ما فوق رؤوسهم بالاخطاء واحياناً بالخطايا، بما لا يقاس بما نسب لجعجع والقوات.
قلت قائد القوات اللبنانية سمير جعجع، ولم اقل رئيس حزب القوات اللبنانية، لأن هذا القائد الذي صلبه النظام الامني اللبناني السوري، ولفّق له العديد من الملفات، واعتقله في زنزانة تحت سطح الارض لمدّة اكثر من 11 سنة، رفض ان يبيع مبادئه ونضالاته واقتناعاته مقابل اغراءات لا تعدّ ولا تحصى، وفضّل ان يذهب بقدميه الى السجن وربما الى الموت، بدلاً من حياة التبعية التي عاشها غيره، اما رئيس الحزب الذي دفن الفترة السابقة بين جدران زنزانته، وبعدما اطلقته ثورة الارز من معتقله، فانه اعطى ويعطي دروساً في العمل السياسي الراقي، والالتزام بالديمقراطية والاعتراف بالآخر، وباعتماد النضال السلمي سبيلاً الى قيام الدولة، وكان يمكن له ان ينأى بنفسه عن اي اعترافات، لأن رفاقه ومحازبيه وانصاره، كانوا بانتظاره عندما خرج، ألوفاً مؤلفة… ولكنه اراد ان يكون متصالحاً مع ذاته ومع اللبنانيين، ومع ايمانه الديني العميق، وفوق كل هذا ان يكون مثلاً ومثالاً لغيره، علّه تتوفر الارادة الحسنة ويذهب الجميع، كأناس متحضّرين يريدون مصلحة وطنهم، في طريق المسامحة والمصارحة والاعتراف بالآخر، ولكن هذا الحلم مع الاسف لم يتحقق، بل الذي تحقق ازدياد الحقد والتجنّي والحسد، والعودة الى فتح القبور والملفات وتزوير الحقائق والوقائع، والغاية هي تحقيق هدف اساس، هو تشويه صورة سمير جعجع وسمعته، مقابل صفقات مالية وسياسية، ولكن مع اشتداد الحملات واتساعها، كانت الحقيقة تطلّ برأسها امام الناس الطيّبين من ذوي النيّات الحسنة، فيشتد عصب حزب القوات، ويتّسع انتشاره على مساحة الوطن كله.
* * * *
آن الأوان للشفاء من هذه الحال المرضية، وحان الوقت ليقتنع ناطحو الصخرة القواتية، ليوهنوها، بأنها عصيّة على الوهن، والتكسير، ليس لأنها من عالم آخر، بل لأنها من صخور هذا الوطن الأبيّ الشامخ، وجبلت بدماء الجدود والشهداء وعرقهم، وهم يقاومون في سبيل الحرية والاستقلال وكرامة الانسان، ولأن القوات اللبنانية، في السلم كما في الحرب، هي العصب الذي لا يضعف ولا يتعب، ومن حق القوات على اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً، ان يقفوا الى جانبها لانها وقفت الى جانبهم عندما كان وجود لبنان او عدم وجوده، وجهة نظر، وعندما كانت المشاريع الخارجية تتزاحم وتتضارب، بين من يريد لبنان وطناً بديلاً، ومن يريده محافظة جديدة، ومن يريده – كما هو الحال اليوم – ورقة مساومة او صندوق بريد.
جميع "الآلهة" الفاتحين والطامعين، حاولوا ابتلاع هذه الارض الطيبة، وفشلوا، ولم يبق منهم سوى لوحة عند مدخل نهر الكلب، وكل ذلك بفضل مقاومة هذا الشعب وعناده، وتصميمه على الحياة بكرامة وحرية، او احراق الذات جماعياً كما حصل مع شعب مدينة صور، والذين يغفلون عن هذه الحقائق او يجهلونها، عليهم الاّ يقعوا في التجربة، والاّ يختبروا حلم اللبنانيين ومقاومتهم.
الحرب انتهت، والمصالحة بين اكثرية اللبنانيين تمت في 14 آذار 2005، والكلمة والمنطق والحوار، اخذت مكان الرشاش والمدفع والصاروخ، هذا هو اقتناع سمير جعجع، واقتناع القواتيين ومعظم الشعب اللبناني، ومن كان لم يقتنع بعد لاسباب تخصّه هو، ومن كان لم يتعب بعد من حرب الطواحين، ومن محاولات نبش القبور، فحسابه مع اللبنانيين، امّا من كان بلا خطأ وخطيئة فليرمِ جعجع والقوات باتهاماته.