كتب حسين زلغوط في صحيفة "اللواء": ما من شك أن الجلسة التشريعية العامة التي دعا إلى عقدها رئيس مجلس النواب نبيه بري اليوم، والتي تترافق مع موجات عالية من إختلاط الحابل بالنابل الحكومي على خلفيات منها ما هو ظاهر ومنها ما هو وراء الستارة. ستعيد إلى المؤسسات الدستورية حيوية ما، من خلال تسوية تؤدي إلى استمرار الحكومة الراهنة التي بات يصح القول فيها بأنها حكومة عجيبة غريبة بتركيبتها وخياراتها وحتى في أجندتها القريبة والبعيدة المدى.
غير أن هذا الضخ الايجابي للسلطة الثانية في روح المؤسسات الدستورية المتعثرة وفي مقدمها مجلس الوزراء المعلقة جلساته على حبل النجاح في ابتداع التسويات، ليس سوى قدرة مؤقتة على تفادي انهيار شبه الدولة القائمة في لبنان، والتي تتعرض بين الفينة والاخرى لارتجاجات تهدد كيانها.
وإذا كان المجلس كما الحكومة سيجهدان اليوم في ابتداع مخرج ملائم لبدل النقل الذي فضّل وزير العمل شربل نحاس الاستقالة على ان يوقع عليه كونه غير دستوري وفق ما أفاده به مجلس شورى الدولة، فإن ذلك بحدّ ذاته سيعيد الحد الأدنى من القدرة على حبك تشريعات ترتبط بهموم الناس، وهو من يطرح السؤال ما اذا كان سينسحب هذا الجهد على مساهمات مماثلة فيما يتعلق بقطاع الكهرباء والنفط، ونظام التقاعد والحماية الاجتماعية، بما يعيد للمواطن اللبناني أملاً بغدٍ يقيه لعنة الانتهاك المستمر لكرامته في كل سانحة؟
لقد صدق القول بأن في السياسة لا بد من تناسل مستمر للتسويات، لكن حيال هموم الناس يجب الانخراط في سياق الإبتعاد عن التسويات الهشة، لصالح تغليب الاستجابة لحاجة المواطنين، وليس التمظهر واستعراض عضلات نجاحات لهذا الفريق أو ذاك، فالمواطن في نهاية المطاف هو انسان وبات يكفيه رهن مستقبله لهذا او ذاك من الزعماء.
وفي موازاة ذلك لا يُضر البحث في ما نسمعه من هنا وهناك من إعادة تموضع على المستويين اللبناني والإقليمي لقوى باتت تعي حجم التغيرات الآتية إلى المنطقة، والتي يبدو أن العدو الإسرائيلي يترقبها بفارغ الصبر وبهدوء عن بُعد. صحيح أن الحكومة ابتدعت منطق النأي بالنفس تجاه ما يجري في سوريا وحسناً فعلت في الظرف السياسي المتداعي الذي يتحكم بالساحة الداخلية والذي لا يحتاج إلى انحياز فريق من اللبنانيين إلى محور من المحاور حتى يؤدي ذلك إلى تهشيم الصورة الداخلية، فما هو حاصل لجهة الانقسام العامودي والافقي هو كاف، غير ان هذا المنطق من النأي بالنفس يبقى من دون لون أو طعم ويبقى أشبه بسياسة النعامة، ما لم يحزم لبنان امره لجهة تحصين وضعه الداخلي وتجنيبه اي انفجارات باختراقات غريبة قد تسمح بصدامات على الأرض، يكون مغزاها إنهاء قدرة لبنان في ان يقدم نموذجاً شفافاً في تسويات استراتيجية أكثر منه انسجاماً مع قطب مخفية تذكّي الصدام هنا، وتقيم التهدئة بعد صراع هناك.
فإذا كان لبنان الدولة قد صمم على الانحياز إلى خيار النأي بالنفس تجاه التموضعات الإقليمية والدولية، فهل من الممكن أن ينأى بنفسه أيضاً عن إقرار التعيينات الإدارية والدبلوماسية والأمنية، لاطلاق عجلة الدولة؟ وهل يمكن أن ينأى بنفسه عن محاكمة من انخرطوا في فضائح المازوت ومجاري المياه وغياب الإنارة عن الأوتوسترادات بما يسبب يومياً المزيد من الوفيات نتيجة حوادث السير، وكذلك تأخر دفع فواتير الضمان، وغياب سياسة ترشيد الإنفاق، وضبط الفواتير الاجتماعية والتربوية والاستشفائية؟.
إن استمرار التلهي بالقشور السياسية اليومية والابتعاد عن معالجة الملفات الداخلية سيكون مدخلاً وأرضاً خصبة لاستيطان الفساد في الإدارات العامة، ولإبقاء لبنان من دون أية مناعة تجنبه ما هو آت مع قابل الأيام مع رياح عاتية كنتيجة حتمية لثورة البراكين التي ظهرت على مساحة المنطقة، وبالتالي ستجعله لقمة سائغة للذين يدأبون في حياكة الفتن التي تشكل بالنسبة لهؤلاء السلاح الأقوى لتفتيت الوحدة الداخلية وتمزيق اواصر لبنان وانزلاقه في اتون المجهول.
في هذا السياق يؤكد مصدر وزاري انه بات من المعيب الاستمرار في هذا السلوك السياسي في الوقت الذي أحوج ما نكون فيه الى تحصين وحدتنا الداخلية لمجابهة المخاطر التي تحيط ببلدنا، وبات من الملح الترفع الى سدة المسؤولية الوطنية والعمل على مقاربة الملفات المطروحة بعيداً عن منطق المكابرة والمكايدة، خصوصاً وأن مثل هذه التجارب قد اغرقت لبنان في الكثير من المشاكل التي ما زال البعض منها حاضراً اليوم ونعيش على وقع تردداته.
ويرى المصدر ضرورة العودة الى المؤسسات للاحتكام حيال اي امر خلافي، وبدل ان نعلق جلسات مجلس الوزراء علينا ان نزيد من عددها في اطار العمل على رفع منسوب الانتاج على كافة الصعد لا سيما المعيشية والاجتماعية منها.
ويرجح المصدر الوزاري ان يكون ما حصل في الفترة الاخيرة حافزاً مشجعاً على العمل لترتيب البيت الداخلي والانطلاق في العمل بروحية جديدة على قاعدة ان هذه الحكومة يجب القبول بها رغم كل شوائبها لأن البديل غير متوافر، لا بل إنه متعذراً في هذا الظرف.