#dfp #adsense

جنبلاط و”اليوم التالي”!

حجم الخط

على طريقته في رسم الخط البياني لاستقلالية مواقفه وتمايزها عن الحلفاء والخصوم في المراحل المفصلية داخلياً وإقليمياً، يظهر رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط قدرة مدهشة وشغفاً لا ينضب بالقفز أمام الحدث كأنه يضيق بالركض خلفه أو ارتضاء التماثل بالآخرين في قاعات الانتظار المملة.

الى الدلالة البارزة التي يكتسبها هجومه الناري الأخير على نظام الرئيس بشار الأسد قاطعا آخر خيوط القطن الواهية معه، يذهب جنبلاط بعيداً جداً في تهيئة نفسه والآخرين لـ"اليوم التالي" الذي يدرك الجميع أنه يشكل الهاجس المضمر لسائر القوى السياسية اللبنانية.

ولا تقف دعوة جنبلاط الصريحة والحادة الى إطلاق فرز داخل الطائفة الدرزية نفسها على قاعدة من يريد النظام ومن يدعم الثورة عليه، عند حدود كشف الأثر العميق الذي أحدثته الأزمة السورية داخل صفوف الموحدين الدروز في سوريا ولبنان، بل تكتسب هذه الدعوة مجموعة دلالات تتنافس في ما بينها على صدارة الأهمية.

فهي أولاً اختبار قوة على زعامة الطائفة يرفع جنبلاط تحديه في وجه حلفاء النظام داخل الطائفة تماماً كما رفع هذا التحدي عام 2005 في تقدمه قيادة الطائفة الى "ثورة 14 آذار". بذلك لا يبدي الزعيم الاشتراكي أي حرج في دفع طائفته بنفسه الى "تعددية" سياسية، ولو انه يبدو واثقاً دوماً باحتفاظه بالموقع الأقوى والمتفوق فيها.

وهي ثانياً اختبار نيات للشركاء الأقوياء في الأكثرية الحكومية والنيابية التي لم يربط جنبلاط تحالفه معها بموقفه التصعيدي المتدرج من النظام السوري. ولعل أبرز دلالاتها على الاطلاق في أنها ستضع علاقته الحساسة جداً مع "حزب الله" على محك اختبار حاسم.

وهي ثالثاً إعادة رسم جذرية لصورة حكومة معظم أطرافها يحاذر الخروج عن العلاقة الوثيقة مع النظام السوري، فيما يطلق الزعيم الدرزي الأبرز صورة مختلفة لحكومة صارت تضم واحداً من أعتى خصوم النظام السوري مع ما يعنيه ذلك من زيادة أثقال وتراكمات على الحكومة في المرحلة الانتقالية التي تشرف على إدارتها.

وهي رابعاً مؤشر مبكر جداً على أوسع عملية خلط أوراق عابرة للطوائف والقوى السياسية والحزبية ستسبق الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان وتواكبها وتعقبها على أساس "لبنان ما بعد" الأزمة السورية، إن لم نقل جزماً ما بعد النظام السوري، حفاظاً على تحفظ تمليه الضرورات الواقعية في انتظار تطورات الحدث السوري. ولعل بيت القصيد يكمن هنا أكثر من سائر الدلالات الأخرى خصوصاً مع ملامح "الحبل اللبناني" العميم والواسع المتنامي على وقع هذا الحدث الذي يجعل "اليوم التالي" في لبنان حدثاً غامضاً فيه الكثير مما قد يخيف أسوة بما قد يطمئن.

المصدر:
النهار

خبر عاجل