
كتب طوني عيسى في صحيفة "الجمهورية": مَن سيقاتل مَن، ومَن سيحمي مَن؟ مِن أزمة النظام في سوريا، إلى أزمة حلفائه مع المحكمة في لبنان، بدأت تنكشف ملامح شرق أوسط جديد، لا علاقة له بما مضى!
فيما النظام يخوض معاركه على دويّ المدافع في حمص ومدن وأحياء أخرى، تتسلّل المحكمة الدوليّة كالماء تحت أقدام حلفائه في بيروت. البعض يقول إنّها كـ"القاتل الصامت" الذي استخدمه الجناة في بعض عمليّات الاغتيال. ومن دون أيّ قدرة على المقاومة، صدر القرار الاتّهامي الأوّل في آب، ثمّ مرّ تمويل المحكمة في تشرين الثاني، والتمديد للبروتوكول محسوم بعد أيّام، والمحاكمات ستنطلق غيابيّاً في الأشهر القليلة المقبلة من العام الجاري.
لكن الأهمّ هو الأسماء الجديدة المنتظر إعلانُها في التحديث الذي رشح أنّ المدّعي العام دانيال بلمار سيجريه للقرار الاتّهامي الأوّل، قبل مغادرته لاهاي. فهو يضمّ، وفقاً لما تردّد في أوساط قضائية، اسماً "مدنيّاً سياسيّاً". وسيكون ذلك متزامناً مع تسليم بلمار قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين قرارات اتّهامية في الملفّات الثلاث التي ضمّتها المحكمة إلى صلاحياتها، أي محاولتي اغتيال نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السابق الياس المر والنائب مروان حمادة، واغتيال الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي. ومن شأن اختيار فرانسين لتوقيت إعلان أيّ قرار اتّهامي أن يترك تداعيات عميقة على المعادلة السياسية الداخلية.
لا إفلات من العقاب
ووفقاً لمعلومات مصادر حقوقيّة مواكبة لعمل المحكمة في لاهاي، فإنّ هناك أسماء عدّة توصّل بلمار إلى قرائن حول ضلوعها في عمليّة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأحَدُها ورد في سياق القرار الاتّهامي الأوّل، ولكنّه فضّل أن يرجئ إذاعة هذا الاسم حتى وقت لاحق. وفي تقدير هذه المصادر، أنّ نشر قرارات اتهامية في الملفات الثلاثة سيُثبت ترابطها بملفّ الرئيس الحريري، وسيزيد من قوّة القرائن الواردة في التقرير الأوّل، والتي حاول البعض التشكيك فيها، فتصبح أكثر تأثيراً على الواقع السياسي الداخلي.
برنامج المحكمة بات واضحاً: بعدما قام رئيس مكتب الدفاع القاضي فرانسوا رو بتعيين محامي الدفاع الثمانية للمتّهمين الأربعة، هناك مهلة أربعة أشهر متاحة له ليتقدّم بأيّ طعن في مجريات التحقيق أو للتمكّن من تقديم سيناريوهات تختلف عن تلك التي تقدّم بها الادّعاء. ومن البديهي أن تنطلق المحاكمات الغيابية في خلال الصيف المقبل، إذا تمّ البناء على المعطيات التقنية القائمة حاليّاً.
ومن مؤشّرات الجدّية في الوصول بالمحاكمة إلى نهاياتها وكشف الحقائق، أنّ المحكمة أقرّت مبدأ المحاكمة الغيابية، للمرّة الأولى في تاريخ المحاكم الدولية. فالمحاكمة الوجاهية تبقى الأفضل للعدالة وللمعنيّين جميعاً، ولذلك بقي بلمار حتى الأسابيع الأخيرة، ومن خلال زيارته لبيروت، يحضّ السلطات اللبنانية على القيام بما يمكن لتأمين إيصال المتّهمين إلى قاعة المحكمة. لكن المحاكمة الغيابية كانت خياراً أخيراً بعدما تعذّر تحقيق هذا الهدف. والفلسفة من إقرار مبدأ المحاكمات الغيابية هي أن يتمّ، بأيّ ثمن، إنهاء واقع الإفلات من العقاب، ووقف استخدام الاغتيال وسيلة في العمل السياسي.
وستواجه المحكمة احتمال قيام البعض بخلق تعقيدات قانونيّة أمام عملها، خلال المحاكمة الغيابية. ومن ذلك مثلاً، "تظهير" متّهم أو أكثر، وفي مراحل معينة من المحاكمة، وإعلانه الاستعداد للمثول أمام المحكمة. فالإشكاليّة التي يطرحها ذلك، وفقاً للمصادر الحقوقيّة المتابعة، تكمن في أنّه قد يكون على المحكمة إعادة المحاكمة على أسُس جديدة. وهذا ما يؤدّي إلى إضاعة مقصودة للوقت والجهد، وربّما أكثر من مرّة. لكن المحكمة درست هذا الاحتمال، وسيتمّ النظر في كلّ حالة على حِدة. فإذا كانت المحاكمة الغيابية في
بداياتها، يمكن الانطلاق مجدّداً على أساس المعطيات الجديدة. وأمّا إذا كانت المحاكمة قد بلغت مراحل متقدّمة، فالأرجح أنّ المحكمة لن تنسف عملاً استغرق وقتاً طويلاً وجهداً مضنياً. ومن الأفضل للمتّهمين تسليم أنفسهم قبل المحاكمة ليضمنوا أفضل ظروف المحاكمة الوجاهية.
في أيّ حال، سيكون الآتي من لاهاي حاسماً في الأشهر المقبلة، بدءاً من تسمية أشخاص ربّما تُعرَف أماكن وجودهم ولا يمكن إخفاؤهم. وهذا ما سيرتّب على السلطات اللبنانية مسؤوليّة تتجاوز سياسة "النأي بالنفس" عن توقيف المتّهمين. فهل ستُقدِم حكومة "حزب الله" – الوسطيّين؟ وهل ستكون هذه الحكومة قادرة على الاستمرار في ضوء التداعيات المنتظر أن تتأتّى عن القرارات الاتّهامية والمحاكمات، خصوصاً أنّ الزلزال السوري يزداد قوّةً ويضرب عميقاً في الداخل اللبناني، وفي داخل الحكومة والأكثريّة الحاليتين. ومن غير الواضح إذا كانت لاهاي ستكشف في إحدى المراحل دوراً للنظام السوري في مجريات ملفّات الاغتيال. وحتى اليوم، بقي الاتّهام لسوريا سياسيّاً على الأقل.
الأشهر المقبلة من هذا العام ستحمل شرقاً أوسطَ جديداً بالتأكيد. والتغيير الآتي من لاهاي سيلتقي مع ذلك المنتظر من دمشق… وبيروت!