أنهر من الدم ومزيد من الضحايا أطفالاً ونساءً وشباباً يتساقطون بالعشرات كل يوم تحت ركام القنابل والصواريخ، يكافح الثوار السوريون آلة القتل العسكرية التي يستعملها النظام السوري في سباق مع تفلت المناطق المختلفة من قبضته الحديدية، بعدما تكررت تظاهرات المزة والبرامكة ولكن في مناطق الحجر الأسود وركن الدين والميدان من العاصمة السورية وفي جامعة حلب، حيث أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين مردية عدداً منهم، ولكن المجزرة الكبرى بعد حمص أمس كانت في إدلب القريبة من الحدود التركية حيث سقط عشرات القتلى برصاص الأمن ضد المدنيين المطالبين بإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد.
هذا التصعيد الأمني العنيف دفع بالأمم المتحدة الى رفع الصوت عالياً أمس مطالبة بـ"بوصول المساعدة الانسانية الى سوريا من دون عوائق"، وهو مطلب أكد عليه أيضا "المجلس الوطني السوري" الذي شدد على ضرورة رفع الحصار عن حمص التي تتوالى عليها صواريخ القذائف وتحاصرها الدبابات والأعداد الكبيرة من الجنود في محاولات متكررة لإخضاعها.
أما الولايات المتحدة التي لم تستبعد أي شيء في إشارة إلى احتمال تسليح المعارضة، فأكدت أنه "سيتعين التفكير في مزيد من الإجراءات في حال لم يذعن الرئيس السوري بشار الأسد للضغوط التي نمارسها جميعنا عليه" حسبما صرحت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية فكتوريا نولاند.
وعلى مسافة أيام من مؤتمر "أصدقاء سوريا" في تونس، أعلنت كل من موسكو وبيروت النأي بنفسيهما عن حضور هذا المؤتمر الذي يهدف إلى دعم مقررات جامعة الدول العربية في خصوص الأزمة السورية.
ففي سوريا ارتفع عدد ضحايا الثورة الثلثاء إلى 101 قتيلا منهم 55 في إدلب و40 في حمص و2 في حلب و4 في دمشق.
وبرزت خلال الساعات الأخيرة تطورات دامية في محافظة ادلب حيث نفذت القوات السورية عملية عسكرية تسببت بمقتل العشرات حسب المرصد السوري لحقوق الانسان الذي يوزع بيانات متلاحقة عن تطور الوضع على الارض في سوريا.
وجاء في بيان صادر عن المرصد "ارتفع الى 55 عدد الشهداء المدنيين الموثقين بالاسماء وظروف الاستشهاد لدى المرصد السوري لحقوق الانسان، وقتلوا خلال عملية عسكرية نفذتها القوات السورية في قرية ابديتا" في منطقة جبل الزاوية في محافظة ادلب.
واستمر القصف العنيف لليوم الثامن عشر على التوالي على مدينة حمص حاصدا مزيدا من القتلى بينهم عدد اطفال، وارتفعت اصوات تحذر من اقتحام المدينة وسط استمرار استقدام تعزيزات عسكرية اليها.
وجاء في بيان للمرصد ان "قافلة عسكرية ضخمة تضم 56 الية بين دبابة وناقلة جند مدرعة وشاحنة شوهدت نهارا على طريق دمشق – حمص الدولي قرب بلدة قارة تسير باتجاه حمص".
وتحدث "المجلس الوطني السوري" في بيان ان هذه القوات "بدأت هجوما جديدا على مدينة حمص البطلة وحي باب عمرو فجر اليوم الثلثاء مستخدمة الدبابات والمدفعية وراجمات الصواريخ، في محاولة لاحتلال المدينة وفرض السيطرة العسكرية والأمنية عليها"، مشيرا الى "تمهيد للاقتحام بعملية قصف واسعة تستهدف الأحياء السكنية دون استثناء".
وأثار الناشط عمر شاكر في اتصال عبر سكايب الوضع الانساني في المدينة. وقال "الوضع سيئ أكثر مما يمكن التصور"، مشيرا الى فقدان مادة الطحين بشكل كامل في باب عمرو. واضاف ان "الناس هنا يتخوفون من اقتحام قريب"، غير انه رجح ان تتجنب القوات النظامية اجتياح احياء مثل بابا عمرو "حيث الشوارع الضيقة والازقة تشجع على الانشقاق".
ورأى ان مدينة حمص ستكون "مصراتة سوريا التي تقصف من بعيد ولا يتم الدخول اليها".
وناشد المجلس الوطني في بيانه المنظمات الدولية "التحرك الفوري من أجل فك الحصار عن مدينة حمص والعمل على توفير إمدادات الغذاء والدواء المنقطعة عنها منذ نحو شهر بسبب الحصار الخانق الذي يقوم به النظام".
وواصل الجيش التابع لنظام الأسد أمس القصف المدفعي بكثافة على حي باب عمرو. وقال ناشط يدعى نادر الحسيني من الحي "قذائف عدة تسقط كل دقيقة". وأضاف أن هناك العديد من الاطفال من بين الضحايا.
وأوضحت "الشبكة السورية لحقوق الانسان" ومقرها لندن إن ما لا يقل عن 250 قذيفة وصاروخا سقطت على حي بابا عمرو صباح امس وأن طائرات تابعة للقوات الجوية السورية تقوم بمهام استطلاع.
وفي أماكن أخرى قال نشطاء في كفر تخاريم قرب الحدود مع تركيا ان المقاومين قتلوا خمسة جنود واسروا جنديين في كمين نصبوه لطابور من القوات الحكومية. وفي مدينة حماة غرب سوريا قال ناشطون إن قوات الجيش والشرطة والميليشيا أقامت عشرات المتاريس لعزل الاحياء.
واستمرت التظاهرات الطيارة في العاصمة دمشق التي شهدت خلال الايام الاخيرة حركات احتجاجية عدة تخللها اطلاق نار. وسارت تظاهرات في احياء جوبر وكفرسوسة وبرزة حيث الاضراب مستمر ومنطقة التضامن. كما سارت تظاهرتان طلابيتان في حي الميدان واخرى في حي ركن الدين. وسجلت تظاهرات في يبرود وقطنة واخرى نسائية في التل في ريف دمشق.
وأفاد المتحدث باسم تنسيقيات دمشق وريفها محمد الشامي ان قصفا سجل على وادي بردى والمناطق الجبلية في الزبداني في ريف العاصمة، مذكرا بأن الريف يعيش معظمه "من دون ماء وكهرباء واتصالات".
وقال نشطاء ان قوات الأمن السورية أصابت اربعة شبان على الأقل بجروح عندما أطلقت ذخيرة حية على تظاهرة ليل الاثنين – الثلثاء مناهضة للأسد في دمشق.
وقال أحد النشطاء ويدعى أبو عبدالله من حي الحجر الأسود، "كان هناك مئات المتظاهرين في الميدان الرئيسي للحجر الأسود وفجأة ظهرت حافلات قوات الأمن والشبيحة وبدأت إطلاق النار على الحشد". وأضاف ان الجرحى الأربعة نقلوا إلى منازل للعلاج.
وأطلقت قوات الامن السورية النار لتفريق طلاب في جامعة حلب تظاهروا داخل الجامعة مرددين هتافات طالبت بإسقاط النظام، في تظاهرة هي الأضخم في الجامعة بحسب ناشطين. وقال "المرصد السوري لحقوق الانسان" في بيان ان قوات الامن السورية أطلقت النار في كلية العلوم بجامعة حلب لتفريق نحو 2500 متظاهر رفعوا علم الاستقلال في ساحة الجامعة.
وكانت "لجان التنسيق المحلية" أعلنت ان جامعة حلب شهدت تظاهرة حاشدة في كلية العلوم تطالب بإسقاط النظام وتحيي الجيش الحر وتضامنا مع حمص التي تتعرض لليوم الثامن عشر على التوالي لقصف القوات النظامية أوقع مئات القتلى.
وفتحت الولايات المتحدة الباب لتسليح المعارضة السورية في نهاية الامر، قائلة انه اذا استحال التوصل الى حل سياسي فقد يتعين عليها التفكير في خيارات اخرى.
وسئلت المتحدثة باسم الوزارة فيكتوريا نولاند بخصوص الموقف الاميركي الحالي من مسألة مساعدة المعارضة السورية عسكريا في الانتفاضة المناهضة للاسد فقالت للصحافيين "نحن نعتقد ان التوصل الى حل سياسي لهذا هو أفضل السبل".
وأضافت "إذا استمع الأسد لرأي المجتمع الدولي أو اذا استجاب للضغوط التي نمارسها.. فستكون الفرصة ما زالت متاحة للحل السياسي". وتابعت "نحن لا نعتقد أن من المنطقي المساهمة الان في تكثيف الطابع العسكري (للصراع) في سوريا. فما لا نريده هو زيادة تصاعد العنف. لكن.. اذا لم نستطع ان نجعل الاسد يستجيب للضغوط التي نمارسها جميعا فقد يكون علينا ان نبحث في اتخاذ اجراءات اضافية"، وأضافت نولاند "نحن لم نستبعد اي شيء".
وفي جنيف، قال رئيس اللجنة الدولية للصليب الاحمر جاكوب كيلنبرغر في بيان ان "عائلات بكامل افرادها في حمص ومناطق اخرى متضررة تحتجز في منازلها منذ ايام لا تستطيع الخروج لشراء الخبز ومواد غذائية اخرى والماء او الحصول على العناية الطبية". ووجه نداء عاجلا الى السلطات السورية واعضاء المعارضة من اجل "التقيد بهدنة يومية تستمر ساعتين على الاقل" لايصال المساعدات الانسانية.
وكانت الامينة العامة المساعدة للأمم المتحدة للشؤون الانسانية فاليري اموس دعت جميع الاطراف في سوريا الى "مقاومة العنف والاعتراف بأهمية حماية المدنيين وتمكين المنظمات الانسانية من الوصول من دون عوائق الى الاشخاص الذين هم في حاجة ماسة الى المساعدة". وعبرت عن "القلق البالغ" في ختام لقاء في بروكسل مع المفوضة الاوروبية للمساعدة الانسانية كريستالينا جورجيفا ازاء "الوضع الميداني" في سوريا.
ورحب الجيش السوري الحر بدعوة اللجنة الدولية للصليب الاحمر، مشككا في الوقت نفسه بالتزام النظام بها.
وقال قائد الجيش الحر العقيد رياض الاسعد "نحن نؤيد هذه الدعوة، لكن النظام مجرم ولا ينفذ، ويستغل ظروفا وقرارات كهذه للقتل اكثر".
وعلى الصعيد الديبلوماسي، توالت أمس المواقف من مؤتمر اصدقاء سوريا المقرر عقده بعد غد في تونس، ففيما اعلن لبنان انه لن يشارك في المؤتمر "انسجاما مع موقفه من الازمة السورية وهو النأي بالنفس" حسبما أكد وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور، قالت وزارة الخارجية الروسية ان موسكو لن تشارك في "مؤتمر اصدقاء سوريا" لأن "الهدف الحقيقي لهذه المبادرة ليس واضحا". وأضاف المتحدث باسم الوزارة "الامر يتعلق على ما يبدو بتشكيل تحالف دولي لدعم طرف في نزاع داخلي ضد آخر".
وأعلنت الصين انها لا تزال تدرس مختلف جوانب المؤتمر وانها لم تحسم قرارها حول المشاركة.
وقبل ايام على الاستفتاء على الدستور الجديد الذي دعت اليه السلطات السورية الاحد المقبل، نفذ اعتصام عصر أمس امام مجلس الشعب السوري بدعوة من احزاب مرخص لها في سوريا ضم نحو مئتي شخص، اعتراضا على الفقرة الثالثة في الدستور التي تنص على ان الشريعة الاسلامية هي المصدر الاساسي للتشريع وتشترط ان يكون رئيس البلاد مسلماً.
وفي القاهرة، طالبت مصر وإيطاليا النظام السوري بضرورة وقف العنف وبشكل فوري ضد المدنيين، مؤكدتين ضرورة ضبط النفس والاستماع لنداءات المجتمع الدولي من أجل التحول الديموقراطي في سوريا، وأهمية قرارات الجامعة العربية في هذا الشأن حسبما جاء خلال مؤتمر صحافي مشترك لوزير الخارجية المصري محمد كامل عمرو ونظيره الإيطالي جوليو تيرسي في ختام محادثات ثنائية عقداها في روما.
الى ذلك وصف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ما يحصل في حمص بأنه "مأساة" و"أزمة انسانية"، واضعاً ايصال المساعدات الى المحاصرين في المدينة في "رأس أولوياته".
ورداً على سؤال لـ"النهار" عن الوضع في حمص، قال الناطق باسم الامم المتحدة مارتن نيسيركي: "نحن بحق لسنا في وضع (يتيح لنا) التحقق من التقارير الكثيرة" عن وجود جماعات مسلحة في حمص أو ارهابيين ينتمون الى تنظيم "القاعدة".
واضاف: "نحن غير قادرين على أن نشهد بأنفسنا أيضاً على المأساة التي تنكشف في حمص". لكنه وصف ما يحصل هناك بأنه "ليس فقط أزمة حقوق انسان، بل أيضاً أزمة انسانية ذات عواقب رئيسية"، مؤكداً أن هذه الأزمة "في رأس الأولويات" لدى بان كي – مون من أجل "ايجاد طريقة لضمان ايصال المعونات الإنسانية لأن الناس تنقصهم الإمدادات الطبية والغذاء والكهرباء". وشدد على أن هذا من المواضيع التي يعمل الأمين العام عليها "بجهد كبير، بما في ذلك خلال الأيام الاخيرة". وأفاد أن بان سيجتمع مع الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي في لندن.
ورداً على سؤال عن اقتراح روسيا تعيين مبعوث دولي لايصال مساعدات انسانية الى سوريا، أشار نيسيركي الى التفويض الذي اعطته الجمعية العمومية للأمم المتحدة الأسبوع الماضي للأمين العام من أجل تعيين مبعوث خاص، قائلاً إن بان "يعمل حقاً بجهد وبالتشاور مع جامعة الدول العربية لايجاد شخص ما وتعيينه في أسرع ما يمكن"، مكرراً أن "رأس الأولويات هو ايصال المعونات الإنسانية".