صمت طويلا سليمان بيك وفجأة قرر أن يحكي. حكى الكثير الكثير عبر شاشته "المفضلة" او المفروضة عليه لا أدري، أي "المنار"، وتعرفون مقدار الديمقراطية العالي جدا هناك. ذهب سليمي بيك لفترة لا بأس بها، في رحلات استجمام وتزلج وسياحة، وكدنا لوهلة أن ننساه، وهذا من حقه طبعا، فملفات الامة ثقيلة جدا، ويحتاج "الزعماء" الى فترات استراحة من وقت لاخر، لاستيعاب هموم الشعب وانجاز احتياجاته كاملة من دون شائبة. اذن عاد البيك ممتلئا حيوية ونشاطا، وبدأ يضخّ شحنات الحيوية تلك، في شحنات من التصريحات الممدودة بخطوط توتر عال، كتلك التي سيمدّها زميله في حلف المبدعين جبران باسيل في المنصورية، تماما فوق رؤوس المواطنين، خدمة لهم ليبقوا بكامل جهوزيتهم العالية التوتر، على مدى أربع وعشرين ساعة.
اذن جلس الـ "سليمان" الى مضيفه، تموضع أمام الشاشة الذهبية، وبلغة سليمان الحكيم أفضى بما لديه. دُرَر. دُرَر والله، المهم أن يكون الجميع، الجميع، تلقّف تلك النعمة التي هبطت من الشاشة الى حضننا مباشرة مثل عاصفة شباط البيضاء. من دون تكبّد أي عناء، تكلّم بلغة البسطاء كي نتمكن، نحن البسطاء، من فهم أبعاد أفكاره الفلسفية الوجودية العميقة، رغم محاولاته تبسيطها لنا قدر المستطاع، وخصوصا عندما رمى على مسامعنا عبارة "سمير جعجع من المرتزقة وهذه حال مسيحيي 14 اذار" وذلك في تعليقه "العميق" على مهرجان البيال!
طبعا كان يجب بعض الهمّة، وان كانت أصبحت ثقيلة مع صقيع مماثل، للجوء الى المعجم لفهم كلمة "مرتزقة"، واذ بالقاموس الوقح الذي لا ينطق الا بالحقائق العلمية، يوحي لنا ان كلمة مرتزقة تشبه تماما الناطق بها! اي ان المرتزقة هم الذين يقاتلون في سبيل المال او ربما المناصب لغير قضاياهم وغالبا من خارج الحدود. أعجبني التوصيف ولكن بقيت مهمة اخرى أصعب، وهي التأكّد ما اذا كان جعجع من المرتزقة، ولمن باع قضيته وبمال من تبنّى قضايا الاخرين وفي أي خندق تلطّى، وهل نقل البندقية من كتف الى اخرى ثم الى اخرى فأخرى. هذه المرة فتحت كتاب التاريخ، ليس ذاك الذي لا يتضمن تفاصيل ثورة الارز، والذي يريده وزير الثقافة "المثقف"، انما التاريخ الموثّق في ذاكرة الايام والمواقف، وخصوصا منذ العام 1985 حتى اليوم، فاكتشفت العجائب. اكتشفت ان من يصف الاخرين بالمرتزقة، اذ به كان أول من حمل بندقية السوريين ليقاتل بها اللبنانيين فوق أرضهم، فكوفيء ولا يزال، بان اصبح لاكثر من مرة وزيرا ثم نائبا، وان كانت عينه على الرئاسة، الا انه لن يلحّق، فولي النعمة هناك حاله حال، بينما وظيفة المرتزق هنا ان يؤكد انه "مرتاح ويعرف ماذا يفعل وهو مدرك ان الطريق طويلة وخياراته لن تتغير وليس من النوع الذي يبيع ويشتري"!
طبعا لم يكن من المتوقع أن يقول غير ذلك، وقد يكون "المرتزق" ينتظر ذاك "الثلاثاء" الموعود الذي ينتظره ايضا حليفه البرتقالي، حيث تُعلن ساعة النصر في سوريا ويندحر "الارهابيون"، وينتصر النظام "العادل"، فتعود أيامه وردية، ويُكلف بوزارة مدهنة كي لا نقول بالرئاسة، ولا يعود يسمع بذاك الطنين المزعج الذي اسمه "14 اذار"، لان الحياة ستكون كلها "8 اذار"، وسيصمت وليد بيك ولن يتذاكى بعد الان على المقاومة لانه مكشوف، ولن يكون الحريري من يدعو الى الحوار، ولن يتجاوز رئيس الجمهورية حجمه ويطالب بما هو اكبر منه ( كلها درر نطق بها لـ"المنار") والاهم الاهم سيختقي ذاك "المرتزق" سمير جعجع…
أحلام جميلة من دون شك، وان كانت في خلفيتها كوابيس، أو لعله كابوس وحيد اسمه سمير جعجع، "المرتزق" الذي سجن احد عشر عاما إنفراديا في زنزانة أولياء النعمة، لان عندما حاولوا نقل بندقيته الى كتف اخرى التصقت بجلده، وعندما حاولوا سلخ الجلد، وجدوا قلبا مضرجا بالوجع، معلقا على أصوات رفاق يتناهى صراخ تعذيبهم من غرف سوداء مجاورة، فبقي معهم تحت الارض فوق الجميع، وهرعوا هم الى التوسّل على باب المحتل، لشحذ كلمة رضى، لمنصب، لسلطة، لبندقية… وكان سليمي بيك في أول الصف الطووووويل…