يوفر مؤتمر "أصدقاء سوريا" الذي ينعقد غداً في تونس فرصة ليتخذ أكبر تجمع عربي-دولي من خارج مجلس الامن، بسبب التعنت الروسي-الصيني، خطوات عملية توضح للنظام الاسدي إستحالة مضيّه في القمع الدموي من دون أي رادع وتؤكد للشعب السوري أنه لن ينزف وحيداً فترة أطول.
وأولى هذه الخطوات تنظيم الإغاثة الانسانية عبر ممرات آمنة تتطلب حمايتها تقديم الدعم السياسي والعسكري للمعارضة في حال استمرار استبعاد التدخل العسكري المباشر ضد نظام أسقط في نحو عام اكثر من سبعة الاف ضحية من أبناء شعبه، وتدل كل المؤشرات على استمراره في هذا المنحى باعتباره الوحيد المتبقي امامه ليحول دون سقوطه.
فحتى الآن ما زال المجتمع الدولي منقسماً في مواجهة تهديدات حلفاء سوريا الوحيدين، ايران روسيا والصين، من أي تدخل خارجي لاسقاط النظام. في المقابل يستفيد المؤتمر من زخم قرار إدانة النظام السوري الذي صدر عن الجمعية العمومية للامم المتحدة في السادس عشر من الجاري بأغلبية شبه ساحقة، وإن لم يكن ملزماً.
وما زال المجتمع الدولي، رغم إجماعه على ضرورة تنحي الرئيس بشار الاسد للتوصل الى حلّ سياسي، يتردد في اتخاذ خطوات عملية لدعم الشعب في مسيرته للتخلص من النظام لاسباب متنوعة، منها خشيته من الحرب الاهلية وانعكاساتها على دول الجوار أو انشغاله بترتيب أموره الداخلية من انتخابات أو ازمات اقتصادية، متلطياً خلف "الفيتو" الروسي في مجلس الامن . لكن موسكو ستغيب عن المؤتمر الذي ينعقد غدا حيث لا يكون لرفضها الممرات الآمنة أثر مباشر.
فعشية المؤتمر أعربت مثلاً الخارجية البريطانية عن أملها في أن يؤدي هذا الاجتماع الى "زيادة الضغوط الديبلوماسية" على النظام السوري، وأشارت ايطاليا إلى أملها في ان يؤدي إلى "زيادة الضغوط الاقتصادية"، فيما اعتبرت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون انه يبعث بـ "رسالة واضحة" الى موسكو. وكلها أهداف غير فعّالة خصوصا وأن جميع بيانات الإدانة أو خطوات المقاطعة الديبلوماسية والاقتصادية الجزئية لم تردع حتى الآن النظام الأسدي، بل هو يستفيد من التراخي الدولي ومن استبعاد التدخل العسكري لتصعيد قمعه الدموي أملاً في التوصل إلى حسم عسكري مستحيل. وهو يسعى من خلال ذلك الى جعل سوريا ساحة صراع دولي بما يطيل عمره ويبقي ابواب المساومات مع الخارج مفتوحة امامه كما فعل خلال سنوات حكمه الطويلة تحت ستار مقولة العداء لاسرائيل مجسدة بمعادلة المقاومة والممانعة.
ورغم طرح الازمة السورية عبثاً على طاولة مجلس الامن ودخولها اروقة الامم المتحدة فما زال الغرب والولايات المتحدة يتحاشيان فعلياً وعملياً تدويل الوضع السوري. لكن لطرفي المواجهة الميدانية، النظام ومعارضيه، سنداً دولياً أو أقليمياً: للنظام سند عملي يوفر له علنا ًحاجاته العسكرية والاقتصادية (ايران وروسيا) ويحميه في مجلس الامن (روسيا)، أما المعارضة فلها حتى الان مجرد سند لفظي واسع مثلته 137 دولة في الجمعية العمومية للامم المتحدة.
فقد أوضحت تصريحات مسؤولين اميركيين وغربيين أن دولهم تستبعد التدخل العسكري. بل وصل الأمر بواشنطن مثلاً إلى التصريح بأنه "من المبكر" تسليح المعارضة رغم عدم اقفالها الباب نهائياً امام هذا الخيار. لكن المؤتمر الذي ينعقد لتخطي الفيتو الروسي في مجلس الامن هدفه دعم قرار الجامعة العربية الذي وضع تصورا لمراحل الانتقال الديموقراطي يستند على تقديم كل اشكال الدعم السياسي والمادي للمعارضة بما يفتح الباب أمام مدها بالسلاح وتدريبها لتصعّد ضغوطها على النظام وتحمي المدنيين قدر الامكان. رغم أن هذه الخطوة وحدها قد لا تساعدها على قلب الموازين بسرعة. فالنظام يملك ترسانة قوية والانشقاقات رغم اتساعها نوعاً وكمّاً لم تؤد بعد الى انقسام القوى النظامية وما زالت بعض الفئات تلتف حوله رغم توسع التظاهرات الاسبوع الماضي لتطال دمشق وحلب المدينتين اللتين طالما استند النظام الى هدوئهما للقول انه يسيطر على الأوضاع.
كما لا يمكن للمجتمع الدولي مواصلة التراخي متذرعاً بأن المعارضة ليست موحدة بين الخارج والداخل، وأن عليها ان تضم "كل الاتجاهات والطوائف" كما قال وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه، اذ ثمة استحالة لتوحدها من دون ممرات انسانية تشكل لها ارضية مشتركة. وجليّ أن هذا العذر واهٍ وغير مقنع في ظل الحجم التمثيلي لـ"المجلس الوطني السوري" الذي سيحضر المؤتمر خصوصاً وان تنسيقيات الثورة في الداخل رفعت منذ أشهر شعارات واضحة في تظاهراتها تؤكد ان "المجلس الوطني يمثلنا" .
ويبدو الأمر كأن الرهان الدولي يعني ترك الشعب السوري ينزف وحيدا بانتظار سقوط النظام على نار بطيئة تؤدي مع الوقت الى انهيار الاقتصاد والآلة العسكرية، متناسياً حجم الضحايا الذين سيسقطون خلال هذه الفترة. ويبدو أن لهذا الحل بنظره فوائد منها كونه أقل كلفة بالنسبة اليه وأقل مخاطر، فهل يغير المؤتمر هذا الواقع؟.