#dfp #adsense

حكومة “تلدغ” من جُحرها.. مرات

حجم الخط

أما وقد رفع وزير العمل شربل نحاس استقالته الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، على أن يتم قبولها وتعيين وزير بديل منه خلال الثماني والأربعين ساعة المقبلة، فهذا يعني بحسب مصادر متابعة أن تسوية عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي فازت على "مبادئ" نحاس، بعدما قال العماد ميشال عون قبل يومين بالفم الملآن "إن نحاس ليس مقطوعاً من شجرة وأن إقالته تعني تطيير الحكومة". لكن نحاس "طار" وبقيت الحكومة مع وعود "بولادة ثانية لها"، وأداء سياسي وإنتاجي وضعت مداميكه اتصالات حارة حريك الرابية وعين التينة والسرايا من دون أن تكون بعبدا بعيدة عن أجوائه. وبعد إجماع من كل أطراف الحكومة "بأن أداء نحاس الوزاري يعني بالنسبة لها "انتحاراً سياسياً" بعدما وعدت جمهورها "بالقول والعمل". كل هذه التطورات تفتح الأبواب لقراءة سلوك الجنرال ونحاس خلال اليومين الماضيين، لتلمس ملامح التسوية التي من المفروض أن تترجم من خلال سلوك جديد لمجلس الوزراء والقوى الموجودة فيه. تفضل أجواء بعبدا "عدم الدخول في تفاصيل الأداء السياسي لنحاس أو لجنرال الرابية، لأن تقويم أداء نحاس في الحكومتين السابقتين هو من "اختصاص" رئيس السلطة الإجرائية التي من المفروض أن تكون مرجعية نحاس الدستورية، بغض النظر عن لونه السياسي. لكن الأجواء "تتوقف كانطباع أول عند قيامه بتقديم استقالته الى الجنرال عون، لأنه لا يستطيع أن يخالف القانون والدستور، بأنه كان عليه أن يلتزم القواعد الدستورية ويقدمها الى "رئيس مجلس الوزراء" الذي يعمل كوزير تحت مظلته". تضيف الأجواء "ما يهم من كل ما حصل أن خروج استقالة نحاس هو تكريس لمبدأ "أن لا وزير أقوى من مجلس الوزراء"، وأن "انضباطاً" سيظلل العمل الحكومي من دون خلو الأمور من "مناكفات" من هنا وهناك، لا تخرج من عباءة الديموقراطية والنقاش المثمر".

أجواء رئيس الحكومة ترفض التعليق على الموضوع على اعتبار "أن المهم ما سيأتي من الأيام وليس الأيام الماضية". أما المتابعون للأزمة الحكومية التي حصلت فيشيرون الى أن ما حصل ليس بسبب التسوية العونية الميقاتية فقط، بل بسبب خلاف حقيقي بين عون وشربل وعقليته التي تعتبر "أنه يعرف وغيره لا يعرف"، وهذا الخلاف كان متوقعاً منذ فترة لأن سلوك نحاس غير مقبول في الإقطاع السياسي".

يعتبر المتابعون "أن مرحلة ما قبل نحاس، تختلف عن مرحلة ما بعده"، بمعنى أن هناك ولادة جديدة للحكومة ستكون خلالها مقاربة الملفات والأداء الحكومي مختلفين، وهذا قرار تم اتخاذه من قبل "الطباخين" الذين أشرفوا على الولادة الأولى و"اجترحوا" الولادة الثانية، بعدما توصلوا الى نتيجة مفادها "أن المصلحة السياسية لكافة أطراف الحكومة تقتضي بت الملفات خصوصاً منها ذات الطابع المعيشي، لأن تكرار ما حدث يؤدي الى عواقب وخيمة على رصيد الأكثرية الجديدة سواء السياسي أو الشعبي".

لكن ما هي الضمانات لعدم تكرار السيناريو الحكومي بعد خروج نحاس طالما أن مكونات الحكومة بقيت على حالها، وهل صحيح أن المشكلة فقط هي في شخصية نحاس العنيدة، أم في أسلوب ورؤية مختلفة لمقاربة الملفات من قبل القوى السياسية الموجودة في الحكومة؟ يقول المتابعون "لا ضمانات في السياسة اللبنانية، ومنهجية التفكير العوني لن تتغير، لكن في المرحلة السابقة من عمر الحكومة كانت مرحلة اكتشاف كل طرف للآخر، فالرئيس ميقاتي لم يكن يعرف العونيين جيداً ولا أسلوب عملهم، ولا هم كانوا يعرفون كيفية مقاربته للأمور. وبالتالي الأزمة الحكومية أرست قواعد جديدة للتعاطي بينهما، مبنية على معرفة كل منهما لمنهجية تفكير الآخر وكيفية التعاطي السليم معها". يضيف المتابعون "مشكلة التيار العوني منذ ولادة الحكومة الميقاتية وحتى اليوم، هو محاولتهم تسجيل نقاط سياسية على الآخرين في الملفات الخطأ، أي ملف الكهرباء والأجور والنقل وهي ملفات ملغومة، لأن الفشل فيها لا يؤذي إلا الأكثرية الجديدة ويستنزف شعبيتهم ومكانتهم السياسية، والجميع يعرف وقد أثبتت التجربة، أن جميع الملفات لا تحل إلا بالتوافق وليس بالتضارب، وهذه هي النتيجة التي استخلصناها جميعاً، وسيتم العمل فيها في المرحلة المقبلة".

خلفيات الأزمة بدأت معالمها منذ أشهر، وقد تراكمت بفعل تراكم المآخذ لأطراف الحكومة على بعضهم البعض. وقد ترجمت هذه التباينات بسياسة "الهروب الى الأمام" التي انتهجتها الحكومة منذ تشكيلها، فهي لم تستطع مواجهة التحديات المعيشية، وأولها ملف الأجور الذي استغرق إنجازه شهوراً، ولم تأتِ الزيادة على قدر آمال المواطنين الذين انتظروها، كي تطفئ جزءاً من نار الأسعار المشتعلة فوجدوا أنفسهم تحت رحمة توقيع أو عدم التوقيع على مرسوم بدل النقل من قبل وزير العمل. وما بين الأجور والنقل، زاد ملف الكهرباء عنصراً جديداً على عدم الانسجام الحكومي، من خلال الأسئلة التي طرحت حول خلفية الاستعانة بالبواخر لسد عجز الكهرباء، ومن هي الجهة المستفيدة من هذا التلزيم. ناهيك عن سياسة النأي بالنفس التي اتخذتها الحكومة من الأحداث التي تجري في سوريا، وعدم اتخاذها موقفاً واضحاً في هذا المجال، وهذا الأمر لم يكن ليعجب جزءاً من مكونات الحكومة. كما يضاف الى هذه الخلفيات اتهام شركاء ميقاتي بأنه افتعل الأزمة الحكومية، للتهرب من مواجهة استحقاق التمديد للمحكمة الدولية في مجلس الوزراء وتحييد الحكومة عنه. بهذا تكون الحكومة قد مارست سياسة النأي بالنفس داخلياً وإقليمياً.

في رسم محاور الأزمة، لا شك أن الوزير نحاس كان الأداة والصاعق الذي فجرها، أما المحاور فتتوزع على كل القوى التي تشكلت منها، والتي تمترس كل منها وراء الاختلاف على المشاريع الموعودة المتعلقة بالتنقيب عن النفط والغاز وإعطاء تراخيص الاكتشاف والاستخراج، والتباين داخل مجلس الوزراء نفسه ما بين وزراء التيار الوطني الحر ووزراء بري، ناهيك عن تباينهم المحسوم مع كل من وزراء جبهة النضال الوطني ووزراء ميقاتي ورئيس الجمهورية، في حين أن الانسجام شبه التام كان بين وزراء التيار ووزراء حزب الله، الذي كان يظهر من حين لآخر بعض المسافة عنه، وهذا ما بان مثلاً في ملف الأجور مثلاً، حيث صوت وزراء حزب الله الى جانب التسوية التي رعاها ميقاتي بين أرباب العمل والعمال في بعبدا، ولكن سرعان ما كانوا يعملون على إخفاء هذا التباين لاحقاً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل