#dfp #adsense

نحاس مهزوم آخر من جيش الحاقدين على الحريري

حجم الخط

منذ أن تولى شربل نحاس الآتي من عالم الأيديولوجيا الشيوعية وزارة العمل، انطلقت جوقة من المداحين في أوساط الإعلام من بقايا اليسار تشيد بالرجل وتعتبر وجوده في وزارة العمل فرصة نادرة لا تعوّض لإحقاق حقوق الطبقة الكادحة من العمال والمستضعفين في التركيبة الاجتماعية والاقتصادية اللبنانية.

ومع جلوس نحاس على كرسي الوزارة، ومحاولته تطبيق "أفكاره" ونظرياته الاقتصادية، عبر التدخل في وزارات أخرى ومحاولة التحكم بمسار عمل الحكومة والتطاول على رئاسة الحكومة، تبيّن لمن جاء به إلى الموقع الوزاري أن أداءه يتناقض مع الواقع من جهة، ومع ما جاؤوا من أجله إلى الحكم من جهة أخرى.

فالطروحات التي رمى بها نحاس على طاولة مجلس الوزراء، جاءت مناقضة لكل متطلبات العلاج الاقتصادي المنتظرة من حكومة "قولنا والعمل"، وكان تطبيقها سيحدث كارثة على الاقتصاد، المبني في الأساس على كونه اقتصادا حرا. وقد بدا ذلك واضحاً في ملف تصحيح الأجور وما رافقه من خلل في العمل الحكومي بالإجمال، تسبب به نحاس في الأساس.

لست خبيراً اقتصادياً، ولا أباشر هذا النقاش من بابه الاقتصادي، بل إن ما لفتني في ما بات يطلق عليه "تجربة" شربل نحاس، هو ذلك التباكي والرثاء لهذه التجربة، حيث حرصت الأوساط اليسارية إياها على تضخيم حدث كان متوقعاً.

فمنذ وقوع أزمة تصحيح الأجور وتمرد نحاس المتكرر على التوجه العام لمجلس الوزراء، علت الأصوات الإعلامية والسياسية إياها تطالبه: "لا تستقل" و"إبقَ على قلوبهم".. وبعد أن وضع نحاس استقالته بتصرف رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون، اعتبر البعض أن "النظام يهزم فرصة إصلاحية"، والبعض الآخر تحدث عن "مأساة رجل شجاع"، وكأن سلوكه كان فعلاً إنجازاً إصلاحياً سيغير حياة اللبنانيين، في حين حاول آخرون مقارنته بوزراء اعتبروا من الكبار لأنهم واجهوا سابقاً "طغيان" السلطة، مثل أميل بيطار، كما جرى حشر اسم الوزير السابق جورج افرام باعتباره استقال اعتراضاً على مرسوم يتعلق بالكهرباء في حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 2/9/1993..

يحق لكتاب العزاء أن يُعزّوا أنفسهم فعلاً، لأنهم خسروا موقعاً وزارياً لم ينالوه في عز الشيوعية الغابرة، وفي ذروة الحضور اليساري في العالم وفي دنيا العرب، وخاصة في لبنان، وهذا جزء من التركيبة العجائبية لهذه الحكومة التي سمحت بمجيء شخص يحمل الفكر الستاليني إلى وزارة العمل بعد انقراض الستالينية وتحوّل الشيوعية إلى ماضٍ وإن كان قد بقي بعض مخلفاتها على شكل أحزاب هنا وهناك لم تعد تملك من الخطاب والرؤية غير اجترار شعارات لم تعد تجد لها مكاناً في القاموس السياسي والاجتماعي الحاضر.

يحق لمشيّعي تجربة شربل نحاس ـ إذا استمر سيناريو الاستقالة ـ أن يشعروا بالخسارة، لأن كثيرين منهم كانوا يراهنون على حقده الشخصي الدفين والمعلن على رفيق الحريري وعلى سعد رفيق الحريري، بعد أن فشل في مراحل سابقة في تحقيق التحول الذي قام به كثيرون ممن أدركوا فشل تجربتهم اليسارية بمنحاها السائد، وقاموا لاحقاً بقراءات نقدية جعلتهم أكثر قرباً من الواقع ومكنتهم من صياغة معادلة خاصة بهم، ولعل أبرز هؤلاء جورج حاوي والياس عطا الله وسواهما ممن خاضوا تجربة معالجة سقوط التجربة السوفياتية وتداعياتها، خاصة أن هذه المراجعات ركزت على إيجاد بعد جديد للانتماء الوطني وأسس لمقاربة مختلفة، غيّرت من الاصطفاف اليساري التقليدي وجعلته يقدّم الانتماء الوطني على الطروحات الأممية العابرة للقارات والعواصم.

يذكر الجميع أن أحد أهم "مؤهلات" نحاس هو حقده الهائل على "المدرسة الحريرية" وعلى تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في البناء والإعمار، وفي تشويه هذه التجربة، وتصويرها على أنها ليست أكثر من عملية فساد وهدر وصفقات، متجاهلاً تأثير الوصاية السورية وتحكمها بالمسار السياسي وبالعملية الاقتصادية في البلد، وناسفاً كل الإنجازات الكبرى التي أعادت حضور لبنان العربي والدولي.

ولعل النائب عون "أفاد" من نظرية نحاس المعادية للحريرية في خطابه السياسي الوقح الذي تجاوز كل حدود اللياقة والاحترام، فضلاً عن الضرب بالمصالح الوطنية عُرض الحائط.
في سياق المتابعة النقاشية لهذا الملف، يصبح من غير المفهوم إلصاق الانتماء المسيحي بالوزير نحاس ومحاولة تصوير ما جرى معه على أنه استهداف للمسيحيين، وهو الذي لا يعتنق الأيديولوجيا الدينية ولا يعترف بأثرها في حياته، نظراً لتمسكه بأيديولوجيته الخاصة النابعة من الشيوعية وتوابعها الفكرية.
والسؤال البارز هنا: هل كان ما أقدم عليه نحاس من استقالة وضعها بتصرف رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" عملاً شجاعاً، حتى يوصف بأنه رجل شجاع؟.
الواضح أن الاستقالة بمفهومها التقليدي والاحتجاجي الذي حاول نحاس الإيحاء به، كان يجب وضعها مباشرة أمام مجلس الوزراء وأمام رئيس الجمهورية لتصبح سارية المفعول من الناحية الدستورية.
فالوزير نحاس، لم يقدم على هذه الخطوة التي لو حصلت بالشكل الدستوري الذي أشرنا إليه، لأمكن القول إن نحاس قام بما تمليه عليه قناعاته، الرافضة للمساومة على ما يعتبره إجراءً غير دستوري، وهو التوقيع على مرسوم بدل النقل، واحتجاجاً أيضاً على الخذلان الذي تلقاه من التكتل الذي ينتمي إليه، بعد أن مارس النائب عون سياسته التقليدية في ممارسة الابتزاز السياسي وعقد الصفقات، ولو على حساب وزرائه ونوابه، باستثناء الصهر المدلل طبعاً.

لقد أفرغ نحاس استقالته من مضمونها المعنوي عندما وضعها في سوق البازار السياسي بتصرف عون، خاصة أن الوزراء الذين سبق أن استقالوا قدموا استقالاتهم بشكل معلن ونهائي، بينما اكتفى نحاس بإعلان وضع استقالته بتصرف النائب عون، وبتسريب كلام عن مقربين منه فحواه أن "العتب على الجنرال كبير كبير!"، فأين يُصرف العتب في لحظة مواجهة يقول نحاس إنها ناجمة عن الالتزام بالقناعات الوطنية وبمصالح الطبقات الكادحة؟.

لو أن نحاس كان شجاعاً لكان خلع القفازات ولكشف حقيقة موقف عون "المخزي" بحقه، لكن الواقع أن فعلة نحاس جاءت في موقع الاستجابة لضغط الأمر الواقع، الذي حتم عليه الاستقالة بهذه الصيغة المقيدة، وليس من موقع المبادر الثائر على التواطؤ ضد مصلحة العمال والفقراء كما دأب على الإعلان والتكرار. فكان وزير العمل مثل من يمارس فضيلة الصبر ليس قناعة بفضلها، بل لانعدام الحيلة عن فعل سواها.

النتيجة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة أن تكتل "التغيير والإصلاح" ليس موقعاً لا للتغيير ولا للإصلاح، بل هو منبر للصفقات والسمسرات والبحث عن مواقع السلطة، عشية الانتخابات النيابية، التي يواجه فيها عون، كثيراً من الحقائق المرة، ليس أهونها انهيار نظريته حول التحالف الاستراتيجي مع النظام الأسدي في سوريا، وهي الزيارة التي حرمته من زيارة مقام مار مارون في براد، ولو أن الأوضاع فيها مستقرة، فلماذا يؤجل الجنرال حجه لهذا العام.

في الوقت نفسه، يواجه عون تعاظم بنيان حزب "القوات اللبنانية" الذي تحول إلى مؤسسة قوامها الشباب، وعمادها شرعة متطورة، وهي تواصل التقدم في الوسط المسيحي، وفي الجامعات، من غير أن يجد العونيون المحرومون من التنظيم والمؤسسة، والمرتهنون لمزاجية الزعيم وصهره، أي سند لهم في مواجهة بدأت تصبح غير متكافئة لصالح خصومهم في الشارع المسيحي..

لو كان شربل نحاس شجاعاً لما غيّب نفسه عن مشهد يقرّر مصيره، ولما ترك وزنه السياسي ليصبح بوزن ورقة الاستقالة النائمة في درج الجنرال الذي يتبجح أنه هو شخصياً وليس التكتل سيقرّر مصير الورقة وصاحبها.

في هذه الواقعة لم يُهزم شربل نحاس شخصياً، بل هُزمت تلك المدرسة التي قامت على قواعد الحقد الموتور على الرئيس رفيق الحريري، وهُزم مشروعها، لأنه ثبت بالدليل القاطع أنه حتى لو سيطر خصوم الرئيس الشهيد بالقوة المسلحة وبالانقلابات الدستورية على مواقع القرار، فإنه لا يمكن إدارة البلد بعيداً عن قواعد البناء والتنمية والحفاظ على الاقتصاد الحر وعلى الحريات العامة والتمسك بالتوازنات الوطنية الحاكمة لمسار الاستقرار في لبنان، أياً يكن الحكام.

لم يستطع شربل نحاس أن يكون وزيراً ناجحاً، وفشل في أن يكون ثائراً حقيقياً، وهذا هو مصير الذين يتحكم الحقد بهم ويسيرهم الثأر حتى من الشهداء، وصدق الشاعر حين قال:
لله درّ الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله

شربل نحاس واحد آخر من خصوم رفيق الحريري ومن الحاقدين عليه، يدفن في السياسة، وينضم إلى قافلة المهزومين أمام هامة وعظَمَة رجل دارت الأيام مرة جديدة لتأخذ له حقه من ظالميه ومن المفترين عليه ولو بعد حين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل