«إذا اتحد الأشرار فعلى الأخيار أن يتحدوا وإلا سقطوا ضحية لهم شاؤوا ذلك أم أبوا»[الفيلسوف الإيرلندي إدموند بيرك].
كان يوماً دموياً طويلاً جداً، وليس هناك أسوأ من وطأة الدم على مشجب الضمير والأخلاق، وليس هناك أسوأ من عالم أراق ماء وجهه وادعاءاته الإنسانية، أحدهم قال «إن ما يحدث في سوريا يُشبه ما حدث في رواندا»، وتلك الإبادة البشرية الراوندية تحمّل مسؤوليتها العالم لأنه لم يُبدي اكتراثاً حقيقياً لأبشع عمليات الإبادة الإنسانية التي وقعت هناك، ومجدداً يتواطأ العالم على سوريا و»البشر» فيها!!
احتلّ نبأ وفاة أنتوني شديد مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» رقعة كبرى من حيّز أخبار العالم، مع رواية رومانسية لمغامرة صحافي»كان يسير نحو الحدود لأنه كانت هناك خطورة من ركوب السيارة، وكان يسير خلف بعض الخيول، وهو يعاني من حساسية منها أكثر من أي شيء آخر، وأصيب بنوبة ربو قضت عليه»، واحتل بالأمس واجهة أخبار نبأ مقتل ماري كولفين المراسلة الحربية الأميركية الجنسية التي تعمل لحساب جريدة صنداي تايمز، والمصور الفرنسي ريمي أوشليك، ومع هذا لم يرف جفن أحد لاعتقاد بان كي مون أن جرائم ضد الإنسانية ترتكب في سوريا، ولم يتجاوز العرب حدود «القول» في وضع حدٍ لهذا القتل الهستيري الدائر في سوريا!!
لا يعود الأمر يتعلّق بالسياسة ومصالحها عند الحديث عن حجم الموت المتعاظم في سوريا، يصبح الأمر قضيّة أخلاقية كبرى، إلا أنّ الترويج لأكذوبات الديموقراطيّة والحريّة والثورات في العالم العربي تتضخم ككرة ثلج وسط شعوب تصنع بيديها «الديكتاتور» الذي يفترسها لاحقاً!!
وكيف تلفتت قراءاتك في واقع ثورات العالم ستجد أدموند بيرك يقفز من بين سطور المحللين والباحثين، «التخلّف المعرفي العربي» يبحث عن نتائج مستقبلية لثوراته في القرن الثامن عشر بين صفحات المنظّر السياسي بيرك الذي بعد الثورة الفرنسية، وضع كتابه «تأملات في الثورة الفرنسية» فكتب عن الدوجماتيك، فأحدث ضجة فى أوروبا، ولا أعرف عمّا يبحث «المحللون» في مصر وتونس وسواهما في تأملات بيرك وما إذا كانوا سيعثرون على أثر للتيارات الدينية المتطرفة التي تطلّ برأسها من شقوق الجهل والفقر عندما يمتطيا صهوة الدين؟!
ولا أظنّ أن تعريف المجتمع اختلف كثيراً عمّا قاله بيرك في تعريفه للمجتمع الطبيعي بأنه: «مجتمع أساسه الرغبات والغرائز الفطرية لا أي نظام وضعي… فتطور القوانين كان انحطاطاً… وما التاريخ إلا سجلاً للمجازر والغدر والحرب، والمجتمع السياسي متهم بحق بأكبر قسط من هذا الدمار… وكل الحكومات تتبع المبادئ المكيافيلية، وترفض كل الضوابط الأخلاقية، وتعطي المواطنين مثالاً مفسداً للجشع والخديعة واللصوصية والقتل. والديموقراطية في أثينا وروما لم تأتِ بعلاج لشرور الحكم، لأنها سرعان ما انقلبت دكتاتورية بفضل قدرة زعماء الدهماء على الظفر بإعجاب الأغلبيات الساذجة…أما القانون فهو الظلم مقنناً، فهو يحمي الأغنياء المتبطلين من الفقراء المستغلين».
بالأمس فقط تنبّه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى إن مقتل الصحافيين الغربيين يشير إلى ضرورة أن يرحل نظام الرئيس بشار الأسد، قائلاً: «كفى ما يحدث، هذا النظام ينبغي أن يرحل، لا يوجد سبب وراء حرمان السوريين من اختيار مصيرهم وأن يعيشوا حياة كريمة، مع أن لبنان دفع طوال السنوات الماضية ثمن غباء نيكولا ساركوزي وإخراجه الأسد من عزلته بعد صفقة طائرات بمليارات الدولارات عقدها معه أمير قطر، أليست مفارقة أن يكون هؤلاء رأس داعمي الثورات والثوار اليوم؟!
قال بيرك: «هناك علاقة شراكة ليس بين الأحياء فحسب، ولكن بين الأحياء والأموات والذين سيُولدون أيضاً»، هذا إذا سمح لهم النظام أن يولدوا أو تركهم على قيد الحياة في حاضنات اصطناعية لم يقطع عنها التيار الكهربائي ليقتلهم وهم «خدّج»!!