بعد إطلاعي على مسودة مشروع الدستور السوري الجديد الذي أعدته السلطة دون أخذ رأي أيّ من أطراف المعارضة السورية وجدت أنه لا يختلف عن الدستور الحالي كثيراً. حيث حافظ مشروع الدستور على التمييز بين السوريين على أساس ديني، فالمادة الثالثة منه حرمت المسيحيين من الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية، كما حرمت المسلمين من حق اختيار رئيس غير مسلم.
وقد حافظ المشروع الجديد على الصلاحيات الواسعة لرئيس الجمهورية بدءاً من رسم السياسة العامة وتعيين رئيس الوزراء ونوابه، والوزراء ونوابهم وإقالتهم، وتعيين الموظفين المدنيين والعسكريين وإنهاء خدماتهم، وهو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة وهو الذي يعتمد رؤساء البعثات الديبلوماسية لدى الدول الأجنبية، وهو الذي يقوم بعملية التشريع خارج إطار مجلس الشعب، وهو الذي يرأس السلطة القضائية ويضمن استقلالها، وهو الذي يعين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية. وهو الذي يحل مجلس الشعب… الخ.
فأي معنى للتعددية السياسية التي ينص عليها المشروع إذا لم يكن بمقدور مجلس الشعب تعيين رئيس الوزراء والوزراء وفق مبدأ الغالبية والأقلية؟ ولم يوضح المشروع كيف ستتم معالجة القوانين والمراسيم المخالفة له وهي كثيرة جداً. وغاب عن مشروع الدستور “مبدأ المشاركة” وهو مبدأ مهم وأصيل في الممارسة الديموقراطية يتيح الفرصة للشعب في رسم مستقبله، وحل محله تعبير “المساهمة”.
هناك ملاحظات كثيرة على مشروع الدستور المقترح للاستفتاء ، إلا أن الأمر الأساسي هو أن هذا المشروع ما زال بعيداً كل البعد عن الدستور المطلوب الذي يلبي تطلعات وطموحات الشعب السوري، لأن السلطة الحالية ما زالت تفكر بالعقلية نفسها التي كانت تدير بها الدولة قبل انتفاضة الشعب السوري، وما زالت السلطة هي نفسها من يقرر حجم وطريقة الإصلاحات المطلوبة والمسموحة.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو كيف سيتم الاستفتاء على هذا المشروع في ظل فقدان الثقة بين الشعب والسلطة التي ستشرف على هذا الاستفتاء، وفي ظل تواصل الاحتجاجات الشعبية ضد السلطة نفسها؟ وهل يمكن أن يتم هذا الاستفتاء في ظل الاعتقالات وعمليات القتل والقمع واستمرار العنف؟
إن المطلوب الآن وقبل أي حديث عن الدستور أو أي شيء آخر هو وقف القتل والعنف وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ووقف الاعتقال السياسي لتهيئة المناخ أمام إطلاق حوار بين جميع السوريين يفضي إلى مرحلة انتقالية، تنقل البلاد من حالة الاستبداد إلى الحالة المدنية الديموقراطية التعددية التي يتساوى فيها جميع السوريات والسوريين.
إن مستقبل سوريا وشعبها يجب أن يقرره جميع السوريات والسوريين، فلم يعد مقبولا ولا مسموحاً لأي أحد أن يفرض إصلاحاً هنا وتغييراً هناك على هذا الطرف أو ذاك من الشعب السوري. ومن هذا المنطلق فإنني أرفض المشاركة في الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد.