كتبت صحيفة "النهار": صحّ ما توقعه المشككون في امكان نفاذ الصفقة السياسية التي أعدت ترتيباتها أول من أمس في الفصل الثاني من الجلسة الاشتراعية لمجلس النواب أمس، فدهم الاشتباك السياسي بين فريق 14 آذار ومعظم أفرقاء الاكثرية حول ملف الانفاق المالي، الجلسة بعيد افتتاحها وتسبب بارجاء بت ملفاتها الحيوية الى جلسة ثالثة في 5 آذار.
واذا كان تطيير الجلسة وترحيلها الى موعدها المقبل جمّدا ملفين أساسيين يتعلقان باقرار مشروع الانفاق الاستثنائي لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي لعام 2011 والبالغ 8900 مليار ليرة ومناقشة اقتراحي القانونين المتعلقين ببدل النقل بعد استقالة وزير العمل السابق شربل نحاس، فان ذلك لم يؤثر على ما يبدو على اقلاع التسوية الخاصة بانهاء الازمة الحكومية، وهو ما عكسه تجمع قوى الأكثرية بزعمائها ولا سيما منهم العماد ميشال عون والنائب وليد جنبلاط في الجلسة، وإن يكن النائب سليمان فرنجية تخلف عن الحضور. كما ان المشاورات لمعاودة جلسات مجلس الوزراء انطلقت بوتيرة كثيفة مما يعني تذليل العقبات التي حالت دون انهاء ظاهرة تعليق الجلسات وقت تكررت خلوات واجتماعات جمعت رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي والعماد عون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري.
والأبرز في هذا السياق ما توافر من معلومات خاصة لـ"النهار" ليل امس مفادها ان العماد عون يتجه الى ابلاغ المعنيين، وتحديدا الرئيس ميقاتي، في الساعات المقبلة ترشيحه المدير العام السابق للقصر الجمهوري القاضي جوزف جريصاتي للحلول محل الوزير المستقيل شربل نحاس في وزارة العمل التي تولى مهماتها بالوكالة أمس الوزير نقولا فتوش.
أما الاشتباك السياسي على الملف المالي، فلم يحل بدوره دون استجماع موافقات معظم الكتل على فكرة تأليف لجنة نيابية او لجنة وزارية – نيابية لتولي فض الخلاف على مبلغ الـ11 مليار دولار العائد الى الانفاق الاستثنائي لحكومتي الرئيس فؤاد السنيورة بين عامي 2006 و2009. وقد شهدت الجلسة في هذا السياق مبارزة حادة بين فريقي المعارضة و"تكتل التغيير والاصلاح" لجأ عبرها معظم نواب 14 آذار الى الانسحاب من الجلسة فيما تولى بعض منهم مواصلة "التفاوض" عبر المداخلات في الجلسة المفتوحة قبل رفعها. وأكد معظم هؤلاء النواب ان رئيس المجلس اضطلع بدور توافقي في مقابل تصلب العماد عون وفريقه حيال الملف المالي العائد الى حكومتي السنيورة.
وعلمت "النهار" ان بري كان قد هيأ المخرج باقتراح لجنة نيابية تضم بين أعضائها المقترحين النواب سمير الجسر عن "كتلة المستقبل" وابرهيم كنعان عن "التيار الوطني الحر" وأكرم شهيب عن "جبهة النضال الوطني" وآخرين. وطالب نواب المعارضة ببت موضوع التمويل كلا من عام 2006 الى عام 2011 من دون تجزئة، وهو ما أصر عليه خصوصا الرئيس السنيورة. غير ان هذا الامر اصطدم بمعارضة "تكتل التغيير والاصلاح" فيما بدا ان نوابا من فريق الأكثرية تغيبوا عن الجلسة ولم يكن نصابها مضمونا مع انسحاب نواب 14 آذار.
بري
وروى بري مساء أمس لـ"النهار" رؤيته لمجريات الجلسة فقال: "من حيث الشكل لست راضيا عما جرى وإن تكن اللعبة الديموقراطية تسمح للنواب بالانسحاب من الجلسة". وأشار الى أنه لم يرفع الجلسة لعدم توافر النصاب "اذ كان متوافرا، لكنني حرصت على عدم حصول أي شرخ وطني في هذا الصرح، إذ لاحظت ان العدد الأكبر من نواب الطائفة السنية الكريمة غادروا القاعة، ومن دون الانتقاص من النواب السنة لدى الأكثرية، أنا نبيه بري لا أريد تسجيل هذه الواقعة والشرخ في سجلي".
كما لمح الى انه "لم يبد ارتياحاً الى خطاب الرئيس السنيورة والضغط الذي لجأ الى ممارسته والدعوة الى انسحاب كتلة المستقبل". وأضاف ان رفعه الجلسة الى 5 آذار "كان بهدف تحقيق تفاهم نهائي على مبلغ الـ 8900 مليار ليرة زائد معرفة طريقة صرف الـ 11 مليار دولار في الحكومات السابقة، علماً أن المبلغ الأول جرى تفنيده في جلسات لجنة المال والموازنة بناء على طلب نواب 14 آذار أنفسهم". وشدد على "أن التصويت سيأخذ مجراه الطبيعي في الجلسة المقبلة". وأعرب بري عن تأييده تأليف لجنة نيابية تمثل مختلف الكتل من فريقي الموالاة والمعارضة "بغية اجراء عملية تدقيق شاملة في موضوع الـ 11 مليار دولار ومعرفة طريقة صرفها تفصيلياً"، وقال انه كلف النائب ياسين جابر تمثيل "كتلة التنمية والتحرير" في هذه اللجنة.
في المقابل، أوضحت أوساط نيابية في كتلة "المستقبل" لـ"النهار" ان "عون خسر في جلسة أمس ثلاثة أمور: ضحى بالوزير شربل نحاس ولم يفرض قوننة الـ 8900 مليار ليرة فقط ولم يبق الدعم على المازوت الأخضر". وأشارت الى محاولات جرت لتأمين نصاب من الاكثرية وحدها، ولكن تبين انه غير مؤمن بدليل الطلب من النائب طلال ارسلان الانضمام الى الجلسة على رغم توعكه، لكنه وصل بعد اعلان تأجيلها. كما وصل للغاية عينها النائب نوار الساحلي عضو "كتلة الوفاء للمقاومة". وتساءلت عما سيكون موقف عون من خطوة بري في تأليف لجنة نيابية تحضّر للمخرج قبل 5 آذار المقبل؟
السنيورة
وقالت أوساط الرئيس السنيورة لـ"النهار" إن مفاوضات دارت طوال ثلاثة أيام من اجل قوننة الانفاق المالي لحكومة الرئيس ميقاتي خلال سنة مبلغ 8900 مليار ليرة أو ما يعادل ستة مليارات دولار، مع قوننة انفاق حكومتي الرئيس السنيورة مبلغ 11 مليار دولار وهي ذهبت الى البنود الآتية: عجز الكهرباء البالغ مليار دولار سنوياً، فوائد الدين العام، حصة الدولة في اعمار ما تهدم في حرب تموز 2006 وصندوق المهجرين. وكما فعلت حكومة ميقاتي، كذلك فعلت حكومتا السنيورة لتلبية متطلبات الانفاق العام عبر سلف خزينة. وأعدّ السنيورة اقتراح قانون يلحظ هذا الانفاق رفعه الى الرئيس بري الذي عرضه بدوره على النائب عون فرفضه الأخير مما أدى الى ارجاء الجلسة الى 5 آذار على أن تتولى لجنة نيابية اعداد المخرج حتى ذلك التاريخ وقد وافق السنيورة على المخرج الذي طرحه رئيس المجلس.
"التكتل"
أما النائب ابرهيم كنعان، فقال لـ"النهار" إن فكرة اللجنة طرحها بري عشية الجلسة على أساس اقرار مشروع الـ 8900 مليار ليرة والمشاريع الأخرى المدرجة على جدول الأعمال و"ليس مطروحاً لدينا قبل جلسة 5 آذار واقرار هذه المشاريع اي كلام الا في هذه المشاريع". واعتبر انه "من غير الجائز المقارنة بين مشروع الـ 8900 مليار ليرة وانفاق الـ 11 مليار دولار".
أما في الموضوع الحكومي، فعلم ان "الرئيس ميقاتي يسعى الى الاتفاق على تحديد موعد لجلسة مجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية ميشال سليمان وخصوصاً بعد الأزمة الأخيرة. وكان ثمة اتجاه الى عقدها مطلع الاسبوع المقبل ولكن تبين ان الرئيس سليمان سيسافر الاثنين الى رومانيا في زيارة رسمية، وربما أرجئ الموعد الى ما بعد عودته.
ميقاتي
من جهته، وفي تصريح لصحيفة "السفير"، قال رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، ان مجلس الوزراء سيلتئم عند التاسعة والنصف صباح الاثنين المقبل، في قصر بعبدا، برئاسة الرئيس ميشال سليمان، موضحاً أن جدول الأعمال سيركز على معالجة مسائل متراكمة لتسيير المؤسسات وشؤون الناس، ومشيراً إلى أنه سيدعو الى عقد جلسة أخرى للحكومة في بحر الأسبوع المقبل.
وعما إذا كان سيعاود طرح موضوع التعيينات الإدارية الذي كان قد دفعه الى تجميد انعقاد مجلس الوزراء، قال: نحن نمر حالياً في جو ودي ولا أريد أن أبدأ المرحلة الجديدة بالتصلب.. هناك حلحلة في ملف التعيينات، ونحن نعمل على إنضاجه بهدوء، بعيداً عن التشنج والتوتر.
وتعليقا على ما حصل في جلسة مجلس النواب أمس، أبدى ميقاتي ارتياحه الى النتيجة التي خلصت إليها الجلسة، معتبرا انه كان من المفيد تأجيلها لبعض الوقت بغية السعي الى تحقيق التفاهم حول بعض النقاط، فأنا ضد الكسر والتحدي، والأولوية في هذه المرحلة يجب ان تكون للحفاظ على الاستقرار، في ظل الفوضى التي تضرب المنطقة.
وأوضح انه يؤيد ان يتم التعامل مع مبلغ الـ11مليار دولار التي أنفقتها الحكومات السابقة على قاعدة تحديد سقف النفقات، وفق ما يصح على الـ8900 مليار ليرة التي أنفقتها حكومته، مضيفاً: ما يحق لي يحق لغيري عملا بمنطق الدولة، علما ان المطروح تحديد "سقف الإنفاق"، وهذا لا يعني بتاتاً إعطاء براءة ذمة لأحد، وبالتالي فان تحديد سقف النفقات بالنسبة الى مبلغ الـ11ملياراً لا يحول دون ان يطلب البعض التدقيق في أي نفقة غير شرعية وإخضاع المسؤول عنها الى المساءلة والمحاسبة، ولكن هذا شيء وما نحن بصدده حالياً شيء آخر.