#dfp #adsense

“النهار”: اليساري الذي خرج من التغيير…هذه ليست السبعينات: شربل نحاس يتذكّر جورج قرم

حجم الخط

كتب ابرهيم حيدر في صحيفة "النهار": خاطب شربل نحاس "الرفاق" الذين توافدوا الى منزله عقب قبول استقالته، بلهجة المرتكز على قاعدة نقابية عريضة: "انزلوا الى الشارع وتظاهروا امام مجلس النواب… لا أحد يستطيع أن يخيفنا اذ ان كلهم كومة من الكرتون".

تعب وزير العمل المستقيل من الحكومة من "الاصلاح والتغيير"، فعاد في لحظة الى قواعده اليسارية التي انطلق منها، وهو يعرف ان يساره ما عاد قائماً وفقد بريقه وقدرته على الاستقطاب السياسي والنقابي، وان كان بعض الرفاق "الملونين" بالأحمر والأصفر قد ناشدوه عدم الاستقالة ليبقى الرجل الشجاع الذي يواجه حيتان المال والسياسة و"المقاومة" اذا اقتضى الأمر.

لكن شربل نحاس استقال فعلاً، ربما اقتنع بصوابية رأي الذين نصحوه قبل توزيره، من انه لن يستطيع تغيير أي شيء في معادلة تحكمها الطوائف والمذاهب، وحسابات تبدأ في الداخل ولا تنتهي اقليمياً، فكيف يمكن شيوعيا قديما ان يقتحم عالماً قائماً على شبكة من المصالح المترابطة يريد تغييره، وما الذي يجزم أن وجهة نظره هي الطريق الوحيد للتغيير، بينما يجرب العالم كل جديد، أو لعله كان مقتنعاً بترك بصماته على تركيبة الموزاييك اللبناني الذي يرتكز على التسويات وحسابات المصالح التي تخرج حليفاً وتدخل خصماً وربما عدواً اذا فرضت المعادلات ذلك.

قيل اذاً لشربل نحاس، لا تدخل الى البازار وابق خارج التركيبة، وان كان التيار العوني اعتبرك قيمة مضافة لتكتله، فسيكتشف أنك الشيوعي الماركسي القديم، واليساري المتسلح بالفكر الاجتماعي. وسرعان ما ستصطدم أفكارك بشبكة من الحسابات السياسية والطائفية ستكون عاجزاً في مواجهتها وتجاوزها أيضاً. اختار اليساري المتمرد ان يكون وزيراً على لائحة "تكتل التغيير والاصلاح"، بعدما نال ثقة رئيسه الجنرال ميشال عون منذ العام 2007، عندما وضع بطلب منه ملاحظاته على السياسة المالية والاقتصادية لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة وللحريرية عموماً، وعلى برنامج الحكومة اللبنانية لمؤتمر باريس3، وكانت ملاحظات نقدية شاملة، ومنذ ذلك الحين صار التعاون وثيقا بين الرجلين، وكأن نحاس بات مستشاراً اقتصاديا ومالياً لعون.

بعض الرفاق خاطبوا اليساري المتخرج من معهد البوليتكنيك في باريس، الذي خرّج قيادات عالمية، الى جانب دراسته العلوم الاقتصادية والانتروبولوجيا، متمنين ألا يكرر تجربة وزير المال الأسبق جورج قرم. قيل له ان قرم اصطدم بأمر واقع في حكومة سليم الحص بين 1998 و2000، استسلم له في النهاية وخرج بعد حملات لم يقو عليها. لكن نحاس المعاند والمشاكس في نظر البعض لا يقبل بمقارنة من هذا النوع، فجورج قرم اليساري أيضاً، هو بالنسبة اليه مشى مع التيار السائد، ولم يستطع تبني مشروع التصحيح المالي الذي أعده نحاس مع الدكتور مكرم صادر في العام 1998، لا بل إنه عمل بما يناقضه، ما أدى في ذلك الوقت الى خلافات بين اليساريين والى قطيعة بينهما.

يذكر العارفون بأمور الرجلين، أن قرم ونحاس لا يلتقيان في مكان واحد منذ ذلك الوقت، ما إن يأتي أحدهما حتى يخرج الآخر. والقصة أن نحاس لم يحرج في شن الحملات على قرم، لعدم تبنيه الخطة، حتى انه اعتبر ذلك خيانة لمبادئه، فالتقى مع عدوه اللدود "الحريرية" على محاربة قرم بتزويدها كل الملفات والوثائق التي تمكن من اسقاط مشروع قرم، وهو الذي وصفه أصلاً بانه يصب في مصلحة السياسة الاقتصادية والمالية التي اتبعتها حكومات الرئيس رفيق الحريري في تسعينات القرن الماضي. وكانت وسائل اعلام الحريري تنشر تقارير يومية من صنع شربل نحاس.
ولا شك في ان الوزير المستقيل شربل نحاس كان قد حسم خياراته منذ ذلك الوقت، فهو جاهر برفضه لسياسات الافقار التي انتجتها السياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية للحكومات المتعاقبة، لكنه في السياسة، وان كان يقدم نفسه يسارياً ويناديه الشيوعيون بالرفيق، الا انه لم يخجل في تواصله مع الرئيس السابق اميل لحود، ولا من زياراته الأسبوعية الى دمشق بعد العام 2000 برفقة عدد من الرفاق الجدد للقاء عدد من المسؤولين المعنيين بالملف اللبناني، وان كان مبدئياً في طروحاته الاقتصادية والاجتماعية.

ربما لم ييأس شربل نحاس من تجربته الأولى في وزارة الاتصالات، وعارفوه الذين يقولون عنه انه عنيد في الموقف، أكدوا انه لم ينشط سياسياً في شكل علني كبير مع الحزب الشيوعي، لكنه كان حاسماً في مواقفه اليسارية، خصوصاً في الشأن الاجتماعي، وحين كان يعمل بعد عودته الى لبنان العام 1979، استاذاً في الجامعة اللبنانية، ثم في برنامج اعادة اعمار وسط بيروت بين 1982 و 1986 وعمله في القطاع المصرفي ، ثم في اعداد خطط التنمية الاجتماعية في لبنان. في كل هذه المجالات كانت يساريته طاغية، حتى على مشاريع تحتاج الى أفكار ترتبط بالربح، وهو ما يشهد له في هذا الشأن.

نصحه عارفوه واصدقاؤه بعدم تكبير الحجر، اذ ان التغيير الذي ينشده، لا يتحقق بقرار ولا بتوقيع، ولا يمكن تيار الاصلاح والتغيير او المقاومة ان يحملا مثل هذا النوع من المشاريع ذات المضمون اليساري، وان كان فيها الكثير من المعاني الأخلاقية. فالتغيير الذي يسعى اليه يحتاج الى قاعدة مؤاتية، في النقابات وفي المجتمع المدني، فكان صدامه الأول مع الاتحاد العمالي العام المعروفة تركيبته الراهنة، فكيف مع ارباب العمل. وعلى رغم ذلك عاند شربل نحاس وأصر على السير بمشروعه، حتى وصفه رفاقه بالبطل "المنقذ".

يذكر العارفون بالخبايا أيضاً كيف واجه نحاس وزيرة المال السابقة ريا الحسن في حكومة سعد الحريري حين طرحت في مشروع موازنة 2010 خفض الضريبة على إعادة تقويم الاصول العقارية وغير العقارية لدى الشركات الى 3%، معتبراً ان شركة كـ "سوليدير" تستطيع من خلال هذا المشروع ان تربح مليارات الدولارات لكونها تملّكت عقارات الناس منذ التسعينات بأسعار زهيدة جداً، فيما ارتفعت اسعار العقارات بعدها مئات المرات. ينتقدون مقارنة نحاس أيضاً بما فعله الياس سابا واميل بيطار، بعدما خاض الاول معركة في وجه التجار ضد رفع الاسعار وخسرها، فيما اقتحم الثاني مافيا تجارة الادوية فكان مصيره الاستقالة. المرحلة مختلفة جداً. لكن بنظرهم شربل نحاس العنيد لا يعرف المهادنة ولا التسوية ولا الحسابات أيضاً، لكنه يتحمس للتغيير بلا أفق، وكأنه يستعيد مراحل تاريخية عفا عليها الزمن.
قال نحاس للرفاق، ان "القصة تتخطى الاصطفافات السياسية واعمق من كل شيء"، مشيرا الى ان "املنا كبير ان نخرق كل التكتلات السياسية ونفرض ان البلد لا تحكمه عصابات".

سيقتنع شربل نحاس بعد مدة، ان يساريته لم تتعرض لخيانة، هذا هو المسار الطبيعي للتركيبة، وسيتذكر انه استخدم اسلحته ذات يوم ضد يساريين آخرين.

سيقتنع اننا لسنا في سبعينات الحركة النقابية واليسار. لكنه سيتذكر بأن "تيار الاصلاح والتغيير" أخرجه من المعادلة.
 

المصدر:
النهار

خبر عاجل