سبق العماد ميشال عون انصاره المتفاعلين بحيوية حارة مع استقالة الوزير شربل نحاس حين اعترف علنا وبصراحة بان الاستقالة نقلت المشكلة الى داخل صفوف تكتله و"صارت بيننا وبينه". ولعلها نهاية منطقية وطبيعية بكل المعايير لأزمة لا تحتمل نفخا وتضخيما ما دامت مشكلة الاجور وبدل النقل الظاهر المتوهج منها الذي اخفى لغما كاد يطيح الاكثرية والحكومة سواء بسواء. اختار الوزير المستقيل المخرج المشرف لنفسه، واختار زعيم فريقه السياسي الذي اختاره لحقائب وزارية متعاقبة وهو الآتي من خارج تياره التكيف الصعب مع موجبات تعويم التسوية التي لا تسقط الحكومة ولا تطيح بالحصة الوازنة للعماد ميشال عون فيها.
ومع ان الخلاصات الواقعية لا تجد صداها في مسائل يطغى عليها غالبا الطابع الانفعالي تبدو الحصيلة الباردة لهذه الاستقالة اشبه بتوازن سلبي بين "طرفيها"، ولا مكان فيها لبطولات ولا ايضا لأوهام. ذلك ان "التيار الوطني الحر" وان هزته حيوية ايجابية في التفاعل سلبا وايجابا مع الاستقالة وطرح تساؤلات عن "مبدئية" قيادته وزعامته، سيكون بدوره موضع مساءلة بعد حين عما اذا كان سيسائل هذه الزعامة على طول الخط وصولا الى الانتخابات ام انه سيعود الى الامتثال التلقائي لسياساتها اسوة بما هو معروف عنه.
والعماد عون شخصيا الذي اراد التزام اتفاق سياسي عقده مع شركائه في الاكثرية على حساب وزير كان حتى الامس القريب يهدد باسقاط الحكومة دعما لسياساته اليسارية، لا يخرج بمكسب سياسي يوازي اهتزاز الصورة المبدئية لديه خصوصا ان التسوية "المجزية" المقابلة لا تنضح "تغييرا وإصلاحا".
اما الوزير المستقيل فلا يبدو مقنعا ابدا حين يشهر خطابه الهجومي اليساري على الوسط السياسي "الكرتوني" وهو المقيم بين حناياه منذ عهد الرئيس اميل لحود وصولا الى تولي الوزارة مع "تكتل التغيير" متكيفا بالحد الادنى مع موجبات السلطة ولو انقلب عليها متأخرا.
ومع ذلك هو امر معهود بل اكثر من "تقليدي" في مسار سائر القوى السياسية والحزبية اللبنانية، خصوصا بعدما صار الوصول الى السلطة صنو الانتساب الى الزعامات ولا شيء آخر سواه. ولولا الصدام السلطوي من داخل الاكثرية والحكومة لما حصل الصدام داخل التكتل الذي فقد وزيرا اراد باحتضانه ان يلون مكوناته بنكهة يسارية، فغدا حجر عثرة امام سياساته الواقعية، ولما فقد الوزير منصبه حين آن الاوان للهبوط من سقف مرتفع الى سقف منخفض. ولا مكان في كل ذلك الا للعبة سياسية تفرض موجباتها الحديد على قاعدة منع انهيار الحكومة. فالتكتل الذي يخرج بصورة باهتة سيعوّم الاكثرية المترنحة مما سيجزيه مكاسب لاحقة، ولن يكون بذلك الا مثيل شركائه وخصومه، لا اكثر ولا اقل.