لا يملك اللبنانيون (أو نخبهم بالتحديد) تغيير سياق المبالغة في سلوكهم السياسي أو الاجتماعي بسهولة. هو مراس فطري اصلاً، لكن زادت في تأصيله سنوات طويلة من الحروب التي استدعت "إهتماماً" خارجياً، ومتابعة دؤوبة من قوى ودول وهيئات أكبر من جغرافية الوطن اللبناني ومن أهله.
وسلوك المبالغات ذاك المصاحب لأوهام المحورية والأدوار المركزية، انتج بؤساً لا فوقه ولا تحته بؤس مماثل. وكأن في ذلك محاولة لتعويض الشعور بالنقص الذي تراكم نتيجة الخلاعة الدموية في الحرب، والاستتباع الذيلي بالخارج الذي رافق فقدان المبادرة والقرار والتحكم بالمصائر، كما الاستتباع الوظيفي الذي تأتى من فقدان مقومات الاقتصاد الخدماتي والكومبرادوري من جهة، ومتطلبات العسكر والشغل السياسي والحربي والاعلامي والتثقيفي من جهة ثانية.. ثم ما الى ذلك من ظواهر قتل وخطف ونسف وتهجير وإهدار أرواح، ساهمت في تحطيم النفوس وتكسير المعنويات، وفي أخذ العزّة والكرامة والعنفوان وسائر أفراد عائلة المجد والصخور الى المتحف، بعد إقامة مديدة في المستشفيات!
ولا تُظلم العامة بجريرة الخاصة. والأحكام السالفة إنما تليق بالخواص والنخب المشكّلة للمناخ الثقافي والعاداتي والسياسي الى حدّ بعيد. وتلك النخب ضُربت باكراً بتلك الأوهام فأسمتها فرادة. ونُكبت بذلك البؤس لكنها رمت عليه أوصافاً كثيرة في مقدمها التمايز المتأتي من الانفتاح بمختلف ضروبه.
صحيح أن الانطلاق اللبناني نحو الخارج مرافق لكل تاريخه القديم والحديث، وصحيح ان ذلك الانطلاق كان في ما مضى مميزاً بين أهل الشرق رغم انه في جذره وأساسه كان هرباً من العوز والفاقة، قبل الهرب الى الحرية والعلم والمعرفة والابتعاد عن الطغيان والعسف. لكن الأصح بعد ذلك، هو أن المبالغة والغلو والنفخ الممنهج التعبوي والشعبوي، كل ذلك حوّل ذلك الإبحار المعيشي الى آخر الدنيا، فتوحات أين منها فتوحات الرواد الأوائل في العلوم والاستعمار.. البرتغاليون مثلاًُ، وهم في العدد أكثر بقليل من عدد الشعب اللبناني، استعمروا دولاً وشعوباً من أميركا الجنوبية الى تخوم الصين والبر الأفريقي. والهولنديون مثلهم، ومع ذلك تراهم أشد تواضعاً منا بما لا يُقاس!
على ان المبالغة الراهنة في الأداء السياسي وخصوصاً من جهة أهل الممانعة، وان كانت تبدو من بنات تلك الولاّدة اللبنانية الأصلية، فإنها تبزّ كل ما سبقها من "تراث" وطني مألوف ومعروف في السياسة والثقافة و"الابداع".. حيث انها تمطّ من جهة، لتصل الى التهديد "بتغيير خارطة المنطقة من أولها الى آخرها"! ومن جهة ثانية، الى اعتبار استاذ اقتصادي تعليمي بدائي أيقونة لم يَلِد الاجماع اللبناني مثيلاً لها، مع ان أحداً لا يعرف تماماً أين هي منتجاته الفكرية والفلسفية ولا ابداعاته في علم الاقتصاد والمال، ولا فتوحاته في فن الحكم ولا في أي فن آخر.
.. تلك علامات فرادة لا شك فيها. لكنها فرادة المبالغة التسطيحية المجبولة بقصر نظر وتفاهة، مع كثير من الكيد والعدم، والكثير الأكثر من الخبل وطرطقة النحاس!.