حدّد الرئيس السوري بشار الاسد، يوم 26 الجاري، موعدا للاستفتاء على مشروع الدستور الجديد الذي أسقط ما يشير في المادة الثامنة إلى أنّ حزب «البعث العربي الاشتراكي» الحاكِم هو قائد البلاد، ولكنه حافظ على المادة الثالثة التي تقول إن «دين رئيس الجمهورية هو الإسلام»
لعلّ أفضل وصف لهذا الاستفتاء الصوري جاء على لسان المتحدث باسم البيت الأبيض، الذي قال إنه "مُضحك ويشكّل سخرية من الثورة السورية". وأضاف أن "أيّام الأسد معدودة… ومستقبل سوريا لن يتضمن الأسد، فالسؤال ليس إذا، وإنما متى يرحل؟".
لم تعد المسألة في سوريا مرتبطة بإصلاحات أو تعديلات دستورية، وكل كلام من هذا النوع هو للاستهلاك الإعلامي والسياسي، أو قد يكون المقصود منه سياسيّا "تَرييح" روسيا في مواجهتها مع المجتمع الدولي لجهة حاجتها إلى أوراق تمَكّنها من إدارة هذه المواجهة.
فالأزمة في سوريا لن تنتهي إلّا على قاعدة "يا قاتِل يا مقتول"، ولا حلول وسط بين النظام والمعارضة، وما كان يمكن تفاديه في الأسابيع الأولى أصبح مستحيلا اليوم، وهذا أقلّه ما تظهره الوقائع على الأرض ومواقف طرفي النزاع، فضلاً عن مواقف المجتمعين الدولي والعربي.
ومن الواضح أنّ المجتمع الدولي ليس على استعداد، لغاية اللحظة، للتدَخّل عسكريّاً في دمشق، وكأنّ هناك رهاناً على سقوط النظام بقوّة المعارضة في الداخل التي، وفق المعلومات، باتت متماسكة ومحصنة ولم يَعد بمقدور النظام سحقها، وقد نجحت بإقامة مناطق عازلة وممرات آمنة وتكاد لا تخسر شيئا يُذكر من كتلتها المقاتلة، لا بل كل التقديرات تفيد أن الاحتمالات على المستوى الميداني محصورة بخيارَين اثنين: إمّا سقوط الأسد الذي يخسر يوميّاً من جيشه واقتصاده ونفوذه، وإمّا استمرار النزاع إلى حين سقوطه، وكل دعم خارجي ليس إلّا مساعدة إضافية تسرع في هذا السقوط.
وفي هذا السياق، قالت أوساط مطلعة إنّ المعركة التي تحصل في حمص أساسية واستراتيجية، من زاوية كونها مفتاح المنطقة العلوية التي تربط بين المناطق العلوية في سوريا والبقاع الشيعي في لبنان، مستبعدة إمكانية نجاح النظامين السوري والإيراني بالمحافظة على منطقة للعلويين، تمهيداً للتقسيم كحل أوحَد للاحتفاظ بمَوطِىء قدَم روسي-إيراني.
ومن هنا، فإن مؤتمر أصدقاء سوريا، الذي يبدأ أعماله اليوم في تونس، يشكل اختبارا لمدى استعداد الدول الغربية والعربية على مساعدة الثورة السورية بشكل عملي لا لَفظِي، وذلك عبر مجموعة خطوات تبدأ في الاعتراف بـ"المجلس الوطني السوري"، والدفع باتجاه توحيد المعارضة السورية في إطار جبهة وطنية واحدة، وحول رؤية واضحة لا تنتهي بالدعم المالي واللوجستي، خصوصا أن النظام لا يخوض مواجهته منفردا في ظل الفيتو الروسي والدعم العسكري الإيراني، فيما المجتمعين الدولي والعربي يكتفيان بتسجيل المواقف السياسية.
ولعلّ أقصى هذه المواقف ما عبّر عنه العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز الذي قال إنه "كان الأولى من الأصدقاء الروس أن ينسّقوا مع العرب، قبل استعمال الفيتو"، الأمر الذي ينطوي على رسالة واضحة من أن روسيا أمام خيارين: إمّا أن تربح سوريا وتخسر العرب، أو تربح العرب وتكون شريكة في مستقبل الوضع السوري، وقد يكون لهذا الموقف السعودي بعض التأثير في موقف روسيا، لا بدّ من أن تظهر مؤشراته في الأيام القليلة المقبلة.
وفي العودة إلى ما يسمّى الاستفتاء، من المفيد التوَقّف أمام الاعتبارات الآتية:
– أولا، الدستور الجديد لم يقلّص من سلطات الرئيس وسطوة الأجهزة، وبالتالي سيبقى الأسد مُمسكاً بالقرار، وهو أصلا لن يقبل إلّا بحل شَكلي يبقي على تسلّطه.
– ثانيا، مشكلات النظام السوري متأتية من ذاته ومن طريقة تعاطيه مع شعبه، وبعد سنة تقريبا على اندلاع الثورة السورية لم يعد مُمكناً العودة بسوريا إلى ما قبل هذه الثورة.
– ثالثا، قيمة المجلس الوطني أنه مستند الى وَضع داخلي.
– رابعا، في الدستور الحالي مادة كان أضافها الرئيس السابق حافظ الأسد، وحَرص الرئيس الحالي على المحافظة عليها، وتقول إنّ "دين رئيس الجمهورية الإسلام"، ولكن "المُضحِك" في هذا المجال هو ادعاءات النظام بأنه مدني وعلماني، في حين كان باستطاعته تعديل هذه المادة وإعطاء إشارة بحرصه على المساواة التامّة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، بغَضّ النظر عن الاختلاف في الدين والطائفة والعرق والجنس. ولكنه على رغم المواجهة التي يخوضها، أصَرّ على هذه المادة تَلطّياً بالبُعدين الإسلامي والقومي اللذين أمّنا لهذا النظام استمراريته على مدى العقود السابقة.
ولكن الثورة السورية أفقدت النظام السوري "الشرعية" الإسلامية التي تَلطّى خلفها، فضلاً عن أن الربيع العربي أفقد هذا النظام البُعد القومي الذي سقط لمصلحة البعد الوطني-الانساني.
