كتب أسعد بشارة في صحيفة "الجمهورية": لا يترك حرص «حزب الله» على بقاء الحكومة أي انطباع خاطىء حول النيّة لهزّ الاستقرار، فهذا الحرص يعكس تمسّك الحزب بالأمر الواقع القائِم الذي لا يمكن أن يكون ما بعده إلّا الأسوأ
ويعرف الحزب أنّ استقالة هذه الحكومة تعني انه سيكون بمفرده في مواجهة واقع جديد لا يمكن التحكّم بنتائجه، ولهذا السبب قرّر التعايُش مع محور سليمان-ميقاتي-جنبلاط، وفق قواعد لا تترك مجالا للذهاب في الاشتباك داخل الحكومة إلى حدّ الوصول الى طلاق نهائي.
مع رئيس الجمهورية لم يذهب "حزب الله"، على رغم دعمه المطلق للعماد عون، الى حَدّ القَطع مع الرئاسة الاولى، فبقيَ يراقب الاشتباك الحاد بين سليمان وعون، ولم يسمح لنفسه أن يتحوّل طرفاً كامل الالتزام مع الاخير، بل بقيَ على مسافة منه، وراقبَ الرئيس سليمان وهو يجهّز حصارا على عون كان بنتيجته خروج شربل نحاس من الحكومة.
أمّا مع ميقاتي، فإنّ لغة التهديد والوعيد والعتاب غابت كليّاً من خطاب "حزب الله" تجاه رئيس الحكومة، الذي استطاع أن يُمَرّر مرة جديدة ما كان يعتبره الحزب محرّمات في قضية المحكمة، كما ان الحزب وضعَ في أدراجه ملفّات التهويل التي كانت تسلّط ضد رئيس الحكومة، كملف ما يسمّى بالشهود الزور وملف فرع المعلومات. وبَدا ميقاتي، وخصوصا بعد عودته من باريس، وكأنه قد قطع بنجاح أصعب امتحاناته داخل الحكومة، حتى انه لم يعد يضطر الى وضع كتاب استقالته على الطاولة، كما كان يفعل خلال الاشهر الماضية كلما أراد تمرير قرار لا يوافق عليه "حزب الله".
اما بالنسبة الى جنبلاط، فإنّ "حزب الله" يقرّ بأنّ دعم جنبلاط للثورة السورية سيتحوّل عاجلا أم آجلا الى إعادة تمَوضع لعلاقته بالحزب، خصوصا اذا ما حصل سقوط مُبكر للنظام السوري. ويدرك الحزب أنّ جنبلاط لن يكون سهلا ضبطه في تحالف 8 آذار متى سقط النظام، على اعتبار ان التغيير المتوقّع في موازين القوى سيترك أثره في المعادلة الجديدة التي ستحكم الواقع اللبناني في المرحلة المقبلة.
في المحصلة فإنّ "حزب الله" الذي يراقب المتغيرات في سوريا، يستعد للتعامل مع وقائع جديدة في لبنان، داخل التحالف الحكومي المؤقت وخارجه. ففي التعامل مع حكومة الضرورة، تقبّلَ الحزب نَكسَتين في الاسبوع الماضي، وابتلعهما كأنّ شيئا لم يكن، وغَضّ الطرف عن حليفه الرئيس بري وهو يَنصُب كميناً مُحكما للعماد عون (في قضية نحاس)، كما انه تصرّف بشيء من الحياد إزاء الحلف المُعلن بين رئيسي الجمهورية والحكومة والنائب وليد جنبلاط، هذا الحلف الذي يمتد الى تفاهم مع الرئيس نبيه بري بَرهَنت الشهور الماضية على انه تحالف كامل الأوصاف.
ويبدو ان "حزب الله"، وبموازاة هذا التعايُش المكروه، ولكن الذي لا بدّ منه داخل الحكومة، يسعى لفتح جسور الحوار عبر بوّابة التطمين بأنه لن يقوم بأيّ تحرّك من شأنه أن يهزّ الاستقرار الداخلي. وهذا التطمين، للمفارقة، يخالف مشهد الخطاب التصعيدي الذي قاله السيد حسن نصرالله الذي كان ردّاً على استفزاز استقوائِي بالثورة السورية وَرَدَ في خطاب سعد الحريري.
ويُمكن اختصار سَعِي "حزب الله" في هذه المرحلة الى إيصال رسالة لكلّ من يعنيهم الامر، بالآتي:
– معنيّون بحفظ السِلم الاهلي وعدم الانجرار الى أيّ فتنة، وحاضرون دائما للتواصل بُغية تحقيق هذا الهدف.
– نحرص ونشدّد على قطع الطريق أمام أيّ اشتباك مذهبي سني شيعي، ونرفع الغطاء عن أي طرف يحاول إشعال هذا الاشتباك، ونَحثّ الجميع على القيام بالشيء نفسه.
– مستعدون للجلوس على طاولة حوار من دون شروط مسبقة.