كتب سعاد مارون في صحيفة "الجمهورية": يطالبون بالكشف عن مصير أبنائهم وأحبّائهم، أحياءً كانوا أم أمواتاً. وها هي معركتهم تتخطّى عامها الثلاثين من دون أن تصل إلّا إلى مزيد من التعقيد والغموض، لكنّ الأملَ في لقاء الأحبّاء الذين فُقدوا أو أُخفُوا قسراً، أو على الأقل الحقَ في معرفة مصيرهم، لم يُثنِه مرور الوقت ولا التعاطي الرسمي «غير الجدّي» مع القضيّة.
يقول أهالي المفقودين والمخفيّين قسراً والذين دأبوا على الحضور إلى خيمتهم في "حديقة جبران" في وسط بيروت: "لقد واكبت قضيتنا 17 حكومة، وهي لم تغب عن البيانات الوزارية للحكومات الثلاث الأخيرة، وقد تناولها خطاب القسم لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان". وكأنّهم يجدون في هذه الخطوات الرسمية حيّزا إضافيّا الى ما جمعوه من مستندات ووثائق تؤكّد حقّهم في معرفة مصير المفقودين من أفراد أسرهم.
بعضهم لم يشكّل الزمن بالنسبة إليه حاجزاً أمام معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة، فحادثة اختفاء قريب لا تزال حاضرة في ذاكرته وكأنّها حصلت قبل ساعات أو أيّام على الأكثر، أمّا الحقّ في معرفة مصير هذا القريب فقد ضمنته بالنسبة إليهم اتّفاقيات دولية عدّة كان أبرزها "الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإختفاء القسري" الذي انضمّ اليها لبنان في شباط 2007" وهم يرون فيها مسوّغا قانونيّا داعماً لقضيتهم على المستوى الدولي.
إلّا أنّ السؤال الذي يرتسم في ذهن الأهالي من دون أن يلقى جوابا حتى الآن فهو "لماذا لا تقوم الدولة بخطوات عملية لكشف مصير أبنائنا؟".
وفي هذا الإطار يسأل رئيس لجنة دعم المعتقلين "سوليد" غازي عاد عبر "الجمهورية" ماذا فعل المسؤولون اللبنانيّون لمعرفة مصير المفقودين والمخفيّين قسراً؟"
وفيما يساوي القيّمون على اللجان المتابِعة لقضايا المفقودين في أحقّية معرفة مصير أيّ من المفقودين، يصنَّف هؤلاء، المفقودون بحسب تاريخ اختفائهم والجهة التي أخفتهم، بغية تسهيل البحث، وإزاء ذلك تقسم الجهات المسؤولة بين محلّية (الميليشيات التي شاركت في الحرب) وإقليميّة (الجيش السوري، والجيش الإسرائيلي ومنظّمة التحرير الفلسطينية).
لجان للاستقصاء
بعد نضال طويل للأهالي، شكّلت السلطات اللبنانية أوّل لجنة رسمية للاستقصاء عن مصير المخطوفين والمفقودين عام 2000 برئاسة العميد سليم أبو إسماعيل، كذلك شكّل لبنان وسوريا لجنة مشتركة مهمّتها متابعة قضيّة المفقودين والمعتقلين في السجون السوريّة. بينما ينضوي أهالي المفقودين اليوم ضمن لجان وجمعيّات عدّة وحّدتها القضيّة حتى اتّفقت أخيراً على مسوّدة مشروع قانون هي نتاج سنوات من النضال، وتبادل الخبرات مع حالات مشابهة في بلدان شهدت حروباً وحالات إخفاء، لا سيّما في البوسنة والهرتسك.
طاولة مستديرة
وبغية إطلاق هذه المسوّدة ينظّم "المركز الدولي للعدالة الانتقالية" اليوم، طاولة مستديرة في فندق جيفينور روتانا تحت عنوان: "حق المعرفة – اقتراح مشروع قانون المفقودين والمخفيّين قسراً".
وعن هذا الحدث يقول عاد لـ"الجمهورية"، يستند مشروع القانون الى معايير دوليّة لمتابعة قضايا المفقودين. ونركّز من خلاله على واجب الدولة تحمّل مسؤوليّاتها عبر هيئة وطنيّة لمتابعة الملف. مذكّرا أنّ وزير العدل شكيب قرطباوي وعد خلال زيارته خيمة أهالي المفقودين في 10 كانون الأوّل الماضي بأن يحرّر مسوّدة مرسوم ويعرضها على مجلس الوزراء لتشكيل الهيئة الوطنية، ونحن لا نزال ننتظر هذا المرسوم.
أحداث سوريا
وفيما وجد البعض في الأحداث السوريّة باباً لاستجلاء مصير بعض المفقودين الذين تؤكّد معطيات على وجودهم في سوريا أو اختفائهم على يد الجيش السوري النظامي أثناء وجوده في لبنان، يرى عاد "أنّ مصير هؤلاء بات أكثر تعقيداً، وقد زادت الأحداث في سوريا من الغموض ومن قلق الأهالي".
وفيما يؤكّد على أهمّية إنشاء هيئة وطنية لكشف مصير المفقودين، يرى عاد أنّ اللجان التي سبق أن تألّفت "لم تراعِ المعايير الدولية، وهي كانت تؤلَّف لتسكير الملفّ وليس لفتحه".
المقابر الجماعيّة
ويشير عاد الى أنّ المعطيات التي تمتلكها "سوليد" واللجان الأُخرى المتابعة هي جدّية وموثّقة وسليمة، وهي مأخوذة من مصدر مباشر يتمثّل بأهالي المفقودين".
وبينما ينظر قاضي الأمور المستعجلة في بيروت بدعوى قدّمها عدد من الأهالي لحراسة بعض المقابر الجماعيّة وفتحها بغية التحقيق في هويّة الرفاة التي تضمّها. يؤكّد عاد أنّ الدعوى تستند الى التقرير الذي أعلنته اللجنة الرسمية برئاسة العميد أبو إسماعيل التي أشارت الى وجود مقابر جماعية في كلّ من محلّة مار متر- الأشرفية، وحرش تابت، والكرنتينا. وأضاف: "إلّا أنّنا إذا وسّعنا نطاق البحث سنجد في أماكن كثيرة من لبنان مقابر جماعية".
مفقودون أحياء
يؤكّد عاد أنّ "الميليشيات اللبنانية كافّة والتي شاركت في الحرب، أبلغتنا أنّ لا مفقودين لديها"، مشيراً إلى أنّ "المعطيات المتوفّرة لدى الأهالي تشير الى وجود عدد من المفقودين على قيد الحياة في السجون السوريّة، ويرى أنّ متابعة مصير هؤلاء المفقودين هي أولويّة، لا سيّما أنّهم فُقدوا بعد الحرب اللبنانية وعلى يد جهات معروفة مثل الراهبَين الأنطونيَّين ألبير شرفان وسليمان أبي خليل اللذين اعتقلهما الجنود السوريّون الذين دخلوا دير القلعة في بيت مري في غضون عملية 13 تشرين الأوّل 1990". وأضاف: "هذا الأمر ينطبق على بطرس خوند (عضو المكتب السياسي في حزب الكتائب اللبنانية) الذي خُطف في 15 أيلول عام 1992 من أمام منزله في حرش تابت لتوجد معطيات تؤكّد أنّه حيّ في سوريا".
ويسأل عاد إذا كان التواصل الرسمي بين لبنان وسوريا من خلال "اللجنة المشتركة المكلّفة متابعة قضيّة المفقودين والمعتقلين في السجون السوريّة" فهل قامت السلطات اللبنانية بواجبها لطرح قضية الإخفاء؟" واصفاً التعاطي الرسمي بـ"غير الجدّي".
مشروع القانون مدخل للحلّ
وبينما يرى المعنيّون في مشروع القانون مدخلاً أساسيّا للحلّ يؤكّد عاد أنّ "إنشاء الهيئة الوطنية التي ينصّ عليها هذا المشروع هو ضمانة لعدم استغلال الملفّ سياسيّا، لا سيّما من المزمع أن تضمّ ممثّلين عن أهالي المفقودين".
يُنتظر أن يشارك اليوم في المؤتمر، جهات عالميّة من بينها ممثّلون عن الأمم المتّحدة والصليب الأحمر الدولي، ومنظّمات غير حكومية دوليّة ومحلّية، وهو يستمرّ ليومين، فيما يتوخّى القيّمون عليه أن يشكّل خطوة إضافيّة في مسار تحقيق العدالة وكشف مصير المفقودين.