كتب فادي عيد في صحيفة "الجمهورية": وقف أحد القياديّين السابقين في "التيّار الوطني الحر" في صالون منزله محدّثاً أحد الإعلاميّين البارزين متوجّهاً إليه قائلاً: "اليوم جاء دور الإطاحة بالوزير شربل نحّاس والآتي أعظم".
كلمات تختصر سلوكاً واظبَ عليه رئيس تكتّل " التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون منذ أن وصل من منفاه الباريسي إلى بيروت في أيّار 2005، عنوانه "الطاعة" و"الولاء الأعمى" على قاعدة "نفّذ ولا تعترض"، وهو ما أطاح بكثير من كوادر الحزب الذي أبصر نظامه السياسي النور، من دون أن يُبصر هو الحياة السياسيّة.
أمس أصدر عون "الجنرال الذي لا يزال يرتدي لباساً مرقّطاً"، حُكمه على نحّاس، بعدما كشف النقاب عن ملاحظات أبداها نحّاس حيال مسألة توقيعه مرسوم بدل النقل، وهي لم ترضِ رئيس تكتّل "التغيير والإصلاح" الذي أفهم الجميع من على منبر الرابية أنّ "القرارات الصادرة عن التيّار تلزم جميع عناصره"، مذكّراً الجميع بوجوب التقيّد بقراراته التي يصدرها منفرداً، ضارباً عرض الحائط بكلّ الاعتراضات في حال صدورها.
مصادر سياسية مراقبة اعتبرت أنّ الخطوة التي أقدم عليها عون لم تكن مفاجئة، إذ إنّ الخلاف الذي طاف على سطح الأزمة الداخلية التي تنتاب التكتّل لم يكن وليد ساعته، بل سبق أن وقع سجال بين فريق من التكتّل وبين آخر، فيما سجّل جدال بين الوزيرين فادي عبّود وشربل نحّاس، اتّهم خلاله نحّاس عبّود بـ"الرأسماليّة" أوشك أن يتسبّب بتضارب بالأيدي حال عون دون وقوعه في الاجتماع ما قبل الأخير لتكتّل التغيير والإصلاح.
وتضيف المصادر، أنّ عون واجه قبل "الإطاحة" بنحّاس تصلّباً رباعيّاً غير مسبوق حيال تشدّد نحّاس وقراره عدم توقيع مرسوم بدل النقل، فيما كان تصعيد عون على أشدّه وتهديده بفرط العقد الحكومي، لكنّه فوجئ بائتلاف وتوافق رئاسي رباعيّ كان عماده الرؤساء الثلاثة الذين قرّروا مواجهة عون بشدّة لأنّ "القلوب مليانة"، في حين أنّ القضيّة لم تعد تشكّل سجالاً آنيّاً، بل نيّة لدى عون بتحقيق نقلة نوعيّة ومكسب طالما حلم به، وهو خلق سابقة خطيرة تتمثّل بتمكّن أيّ وزير لديه من رفض توقيع أيّ مرسوم وزاري، وبالتالي شلّ أيّ قرار لا يوافق عليه عون، فيما الدستور المنبثق من اتّفاق الطائف لم يعطِ الوزير حوافز تمكّنه من التفرّد في إصدار أيّ مرسوم أوعدمه، بينما مجلس الوزراء مجتمعاً هو صاحب الصلاحيّة في الموافقة أو رفض أيّ قرار. وأكّد أنّ نحّاس تمادى في مخالفة الدستور وتواصل مباشرة مع رئيس مجلس الشورى، وتشاور معه في المرسوم، ممّا شكّل تعرّضاً لمبدأ الفصل بين السلطات، وهو ليس من صلاحيته مناقشةُ قانونيّةِ أيّ مرسوم، بل للمراجع القضائية المختصة البتّ بأيّ طعن.
وكشفت المصادر أنّ غياب نحّاس عن آخر اجتماع للتكتّل تمّ بسبب تخلّي عون عنه، ونقلت عن نائب في التيّار أنّ سجالاً هاتفيّاً حصل بينهما قبيل هذا الاجتماع، أصرّ خلاله نحّاس على أنّه يقطع يده ولا يوقّع المرسوم، فما كان من عون إلّا أن أقفل الخطّ في وجهه واستغنى عنه، لأنّ نحّاس لم يكن مدركاً طبيعة الجنرال وطريقة تعامله مع كوادره.
وليس بعيداً من هذا "الجوّ البرتقالي الملبّد"، أبدى قياديّ سابق في التيّار اقتناعه بأنّ إقالة نحّاس أتت نتيجة عاملين، الأوّل بروز نجم نحّاس وتخطّيه سقف المكانة والتألّق الذي يرسمه عون لأيّ من أنصاره، وسبق أن نفّذه مع العشرات من المحيطين به، بمعنى التصفية السياسية لكلّ من يتخطّى هذا السقف، والثاني تقارب نجوميّة نحّاس مع نجومية الوزير جبران باسيل، وهو أمر يُعتبر عونيّاً من المحرّمات ويهدّد التفرّد المنظّم والمخطّط له للحفاظ على الإرث البرتقالي ومنع تشتّته أو الاستيلاء عليه من أيّ كان.
حتى الساعة يبقى نحّاس صامتاً، وسكوته من ذهب، خصوصاً أنّه خبير اقتصاديّ دخل غمار السياسة من باب التيّار، لكنّه لم يدرك أنّه ولج مغارة تتحكّم بها الديكتاتورية والتفرّد والطغيان، حيث لا مكان للماركسية والشيوعية واللينينية، بل مصالح وحسابات ضيّقة إلى جانب الرأسمالية التي اصطدم بها في الداخل، وهي حاجة عون في تمويل معاركه الانتخابية، في مشهد لم يعد يخفى على أحد، ذلك أنّ عون يعمل على إلغاء "ضحيته" قبل إخراجها من التكتّل.