#dfp #adsense

“الجمهورية”: عون يحصي الخسائر وميقاتي يراكم الإنتصارات

حجم الخط

كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية": تُجمع القراءات في حصيلة الأحداث التي شهدتها ساحة النجمة في اليومين الماضيين على معادلة جديدة تفضي إلى أنّ رئيس تكتّل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون يحصي الخسائر، فيما يراكم رئيس الحكومة نجيب ميقاتي انتصاراته، فما هو دور كاتب السيناريو والمخرج رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي في ذلك، وكيف ولدت هذه المعادلة؟

يعتقد أصحاب هذه النظريّة أنّ القراءة ليست صعبة في عناوينها وتفاصيلها، فهي معادلة واضحة المعالم، لم ولن تؤثر فيها رواية تفصيليّة من هنا أو هناك. ففي جردة للأسباب والمواقف التي شهدتها الساحة الحكوميّة والأهداف التي قصدها طرفا المواجهة، ما يكفي للوصول إلى هذه المعادلة.

ويعرف الجميع أنّ إحدى الفصول العنيفة من المواجهة المستمرّة بين ميقاتي وعون منذ تشكيل الحكومة الجديدة، هي التي اندلعت في جلسة تعيينات المجلس التأديبي العام ومجلس الخدمة المدنية التي علّق فيها ميقاتي جلسات الحكومة الى الأمس القريب. ويمكن من خلال جدول مقارنة مبسّط في أسبابها وخلفيّاتها ووقائعها وصولاً إلى النتائج التي أفضت إليها، قراءة ما يلي منها:

كان واضحاً منذ أن ضرب ميقاتي يده على الطاولة، أنّ المواجهة اتّخذت منحى جديدا، والدليل إلى ذلك أنّ عدداً كبيراً من الوزراء لم يكن يستوعب ردّة الفعل هذه. فما حصل لا يمكن أن يؤدّي إلى هذه النتيجة التي قاد فيها ميقاتي الحكومة إلى ما شهده هذا الشهر من مواجهات دستورية وسياسية. ولذلك قيل يومها إنّها ضربة معلّم يمكن أن يصيب فيها ميقاتي الكثير من العصافير بحجر واحد، وقيل أيضاً إنّ ميقاتي لم يعد يحتمل مسلسل العرقلة والمناكفة الذي قاده وزراء "التيّار الوطني الحر"، فكان لا بدّ من اللحظة التي يمكن أن يغيّر فيها قواعد اللعبة، فكان له ما أراد.

فبحجّة رفض وزراء "التيّار" تعيين من كان ينوي رئيس الحكومة تعيينهم في الهيئات الرقابية ما لم يحصل على ضوء أخضر من الرابية جمّد ميقاتي أعمال مجلس الوزراء بصورة غير دستوريّة وغير قانونية. الى ان أفتى وحلفاءَه بنقل المشكلة من تعيين المدير العام للمجلس التأديبي وغيره إلى رفض وزير العمل شربل نحّاس ترجمة قرار مجلس الوزراء في مرسوم النقل، فنقل المعركة من "فشل تسويق تعيين مدير عام" إلى طرح المشكلة على أنّها مَسّ بدور مجلس الوزراء وصلاحيّات رئيس الحكومة تحديداً في ميزان المناقشات فكسب أكثر من مرّة.

ردَّ ميقاتي بذلك التّهم عنه والتي أصابته من كلّ صوب، وأولى التّهم المردودة كانت تفريطه بصلاحيّات رئيس الحكومة، والتي وضعته في موقع الحرَج الشديد أمام أبناء طائفته وأرغم نوّاب تيار "المستقبل" ليكونوا إلى جانبه في المواجهة، وخصوصاً أنّها تزامنت مع تمرير التمديد السلِس للمحكمة الخاصة لثلاث سنوات مقبلة، ما سهّل الوصول إلى قرار النوّاب السُنّة من تيار "المستقبل" بالوقوف قوّة إضافية لميقاتي، فطيّروا النصاب في ساحة النجمة أوّل أمس بهدف عرقلة قانون الـ 8900 مليار نتيجة عدم ربطه بمصير الـ 11 عشر ملياراً، الذي كان يريده ميقاتي فتلاقت مصلحة الطرفين، الأوّل للسبب المعلن والثاني من أجل تعطيل أيّ أمل للعماد عون بالوصول للبحث في مشروع ابراهيم كنعان للنقل، كما أراد ميقاتي، فكسبا معاً وتجاوز ميقاتي الاستحقاق، فكرّس قرار مجلس الوزراء بشأن بدل النقل الذي وقّعه وزير العمل بالوكالة نقولا فتّوش تمهيداً لنشره.

الى ذلك فرض ميقاتي نفسه طرفاً قويّاً في المعادلة، إذ إنّه متسلّحاً بتفاهم مع رئيس الجمهورية في هذه المعركة، وخصوصاً عندما أسبغ على مخالفته الدستورية بتجميد أعمال الحكومة ما يبرّرها في السياسة، حتى إنّ أحد دهاة السياسة في لبنان تحدّث عن قوّته بـ"التفاهم النادر" القائم بين السراي والقصر الجمهوري وهو أمر لم يحقّقه رئيس آخر للحكومة من قبل.

ومن دون الدخول في الكثير من التفاصيل التي تعطي ميقاتي دفعاً قويّا. فقد كان واضحاً أنّ العماد عون هو من سجّل تراجعاً في مواقفه في المواجهة الأخيرة. فمن ربطه بين مصير شربل نحّاس والحكومة ككُل وصل إلى مرحلة التخلّي عنه بـ"أسعار غامضة" حتى اليوم وضمانات لم يثبتها أحد بعد. وسمح عون لنحّاس أن يسجّل عليه تراجعاً مخيفاً على مرحلتين، الأولى عندما قايض بين تحديد الحدّ الأدنى للأجور ومبلغ الـ 16 مليون دولار من أجل مشروع الصرف الصحّي في البترون، فبلعها نحّاس على مضض وتمكّن من تأجيل المعركة. لكنّه نجح عندما قبل بنصف حلّ للأجور فمرّر الحدّ الأدنى للأجر والزيادة على الشطور، وتوقّف ليعقّدها في مرسوم النقل والمنح المدرسيّة، حتى تحوّلت المعركة إلى البيت العونيّ الداخلي، فكان ما كان وتخلّى العماد عون ومعه "الرفاق العشرة" من الوزراء، من دون تجاهل ما تركته هذه العملية من ردّات فعل سلبية داخل التيّار من قيادته والهرم وصولاً إلى القواعد في كلّ مكان. وهو أمر لم يعد خافياً على أحد، فكثيرون في مواقع قياديّة في التيار والتكتل بدوا مقتنعين في الشكل والمضمون بعد كلّ ما حصل بما يقول به المثل الشعبي الرائج "أُكِلت يوم أُكِل الثور الأبيض".

قد لا يتّسع المقال للمزيد من الروايات وما آلت إليه المواجهة بين عون وميقاتي، ففي ما سبق غَيض من فَيض. ولذلك تجدر الإشارة الى دور مخطِّط وواضِع هذا السيناريو الذي قاد إلى ما نحن بصدده. ويعترف العارفون بأنّ الرئيس برّي هو من دقّ الأسفين الأوّل في الحائط الحكوميّ المسدود في غداء عين التينة، فكان له الفضل في ترتيب ما يرغب البعض بتسميه بـ" طبخة حماية الحكومة" التي هدّدها موقف عون الذي ربط بين مصير نحّاس والحكومة كاملة من دون أن يسأل برّي عن الضحايا. ففي قناعته أنّ حماية الحكومة أهمّ بكثير من أيّ رأس من رؤوسها، وهو أمر قاد إلى السؤال المطروح اليوم بقوّة على أكثر من شفة ولسان: هل قصد برّي أكثر من ذلك؟ وهل فعلها بحليف حليفه؟ أم إنّه "كبّر الحجر"؟

يعترف العارفون بأنّ الأجوبة على هذه الأسئلة ليست سهلة من اليوم، لا بل قبل الإجابة عليها هناك الكثير من الأسئلة التي يجب أن تطرح، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

هل سيسعى الرئيس برّي إلى التسوية فيتمّ الربط في جلسة الخامس من آذار المقبل بين قانون الـ 8900 مليار وبراءة الذمّة بالأحد عشر ملياراً الأخرى أم لا؟

وهل سيناقش مجلس النوّاب اقتراح القانون الخاص بالنقل الذي أعدّه تكتّل الإصلاح والتغيير قبل أن يوضع قرار مجلس الوزراء بهذا الشأن موضع التنفيذ؟

وهل سيرجّح موقف الرئيس برّي حجّة العماد عون في التعيينات كافّة والقضائيّة بنوع خاص استرضاءً واستبدالاً لسلسلة الهزائم التي مُني بها التيّار في المواجهة الأخيرة؟

كلّها أسئلة تدعو إلى التريُّث في الإجابة عنها طالما إنّ الأجوبة عليها تحتاج إلى محطّات مقبلة لم نصل اليها بعد، والتكهّن بما ستكون موازين القوى فيها من اليوم ضرب من قراءة مستحيلة للمستقبل، وليس من الحكمة تبنّيها والحسم في مصيرها. فيبقى الانتظار عندها واجب الوجوب.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل