جبّار شعب سوريا. ومراسه لا يُقارَن بغيره. مصيبته كبيرة وبلاياه أكبر، وأحواله في الوقت الراهن لا تسرّ الخاطر لا من قريب ولا من بعيد. يتحمّل ما لا تتحمّله الجبال، ومع ذلك يقارع منذ أحد عشر شهراً، تنيناً متعدّد الرؤوس، ينفخ عليه النار والسموم والأسيد، لكنه لا يتراخى ولا يتنازل ولا يتراجع ولا يسلّم.
يؤسس منذ اليوم والأمس، بل منذ بدء يقظته الكبرى، لأن يبقى سيّد نفسه. ليس لـ"الناتو" ولا لمجلس الأمن، ولا الأمم المتحدة، ولا للجامعة العربية أفضال كبيرة عليه، وعلى سعيه لبناء حياته وبلده بعيداً من الجور والطغيان، وسلب الإرادات والإمكانات والثروات.
دولتان أو ثلاث عربية تحديداً، وخليجية تحديداً أكثر، في قمّتها المملكة العربية السعودية، وقفت الى جانبه بكل طريقة ممكنة ومتوافرة، ودعم تركي لم يصل الى المستوى المطلوب، في مقابل تعاطف شعبي عربي ـ دولي كبير وواضح، لكن كل ذلك لا يُقارن بما لدى سلطة الأسد، ولا بنوع الدعم الذي تلقاه من حلفائها، ولا بنوع المدَدَ الذي يصلها ويزيد من كسر الميزان بينها وبين شعب سوريا الثائر عليها.
..عشية مؤتمر تونس، تخوّف وليد جنبلاط من "تواطؤ دولي". ويوم أمس عاد السفير الفرنسي الى دمشق! وقبل المؤتمر، بقي الموقف الدولي عملياً، شديد الالتباس: مواقف سياسية وإعلامية كبيرة.. وإجراءات صغيرة. وكأن "الفيتو" الروسي أعطى الغرب حجّة خلاص من "ورطة" تدخّل حاسم لا يريده.. أو بالأحرى لا تريده إسرائيل أولاً وأساساً، وبالتالي انسحب موقفها على الولايات المتحدة وحلفائها بطبيعة الحال!
وكأن عوامل الشبهة تتكامل لتحويل سوريا الى "ساحة" لحرب إرادات دولية ـ إقليمية، وقودها الشعب السوري! وإلا ما معنى مشروع بيان مؤتمر تونس رغم الآمال الكبيرة التي بُنيت عليه! وما معنى إصدار كميات من الحبر لمواجهة أطنان من القذائف والرصاص؟ وما معنى الاستمرار في السعي الى قرارات دعم إنساني إغاثي ولكن بعد طلب "الإذن" بذلك من سلطة دمشق؟ وما معنى العودة الى قصة المراقبين العرب؟ وما هذه المسرحية الدائرة على وقع جريان الدم السوري مدراراً؟
لكن ربّ ضارة.. حيث ان ذلك كله، يؤكد مرة جديدة، ان الثورة السورية وطنية خالصة وانها بالتالي واصلة الى مبتغاها بغضّ النظر عن حسابات خارجية تؤيدها.. أو تحاربها!