عاتبني أحد القراء من المواطنين اللبنانيين المقيمين في دولة الإمارات عندما كتبت في السادس عشر من الشهر الجاري تحت عنوان: «أصدقاء سوريا… تطويل عمر الأزمة»، قارئة في الحراك الديبلوماسي العربي والعالمي بطءاً تفوّق على بطء «السلحفاة»، بل هو أبطأ من سرعة «بزّاقة» الجنرال الشهير!! ومصدر العتب هو تفاؤل هذا المواطن بدنو أجل النظام في سوريا واقتراب موعد سقوطه، ولتخوّف ما مال إلى الظنّ أنني أعتقد بقاء الرئيس ونظامه جاثماً على صدر شعبه وصدر المنطقة أيضاً وما بينهما على صدر لبنان وشعبه. مع أن أبسط القراءات السياسية الجديّة تؤكّد أن الرئيس السوري في حكم الساقط مع نظامه سياسياً ومعنوياً، ولم يتبقَ إلا سقوطه عبر تسوية للوضع في سوريا سيكون في أولوياتها خروجه وعائلته من الحكم ميتاً أو حيّاً لا فرق!!
إن أبسط القراءات السياسية للوضع في سوريا تقودك إلى خلاصة مهمّة: «إن مهمّة حرس الحدود الإسرائيليّة وإطفاء جبهة الجولان التي امتهنها النظام منذ ما يقارب الاثنين وأربعين عاماً، لن تسمح إسرائيل بسقوطها في توقيت تشعرُ فيه أن جبهة سيناء المقفلة منذ العام 1978 قد تستيقظ، وإسرائيل ليست في وارد تشتيت مخاوفها في جبهة جديدة تضاف إلى جبهات إيران في لبنان وفي طهران وفي غزة، إضافة إلى سيناء المضطربة والجولان التي قد تصبح مجهولة المصير بعد اتفاقي وديعة رابين الشهيرة التي أجّرت الجولان لإسرائيل لقرنٍ من الزمن!!
إن أبسط قراءة ساذجة في السياسة كانت لتقرأ في احتياج العالم امتداد وقت الأحداث لمدّة عام حتى يعقد اجتماعاً «تافهاً» في تونس يخلص إلى اقتراحات هزيلة بدءاً من اقتراح الرئيس التونسي المنصف المرزوقي ـ الذي ناقضت دعوته اسمه ـ بمنح الرئيس السوري بشار الأسد وعائلته وأركان حكمه حصانة قضائية ضد الملاحقة، أو أمين عام خيبات «العجوز الشمطاء» ـ المسمّاة زوراً ـ الجامعة العربية نبيل العربي ودعوته إلى إفساح المجال أمام منظمات الإغاثة لدخول سوريا، أو تنويهه بالاتفاق على تعيين مبعوث أممي-عربي للملف السوري، أو تهديدات داود أوغلو «الفاشوشيّة» والمستمرة منذ عام، أو اقتراح حمد بن جاسم إرسال قوات حفظ سلام إلى سوريا!! ولا ثرثرة التهديد والعقوبات التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأميركيّة هيلاري كلينتون!!
وهذا يدعونا إلى التأكّد والتأكيد مجدداً أن هناك نوايا عالمية وعربية راعية وراغبة في تطويل عمر الأزمة في سوريا، بل دفعها باتجاه حرب أهلية، فهذا هو الحلّ الأمثل لطمأنة إسرائيل بأن جبهة الجولان ستبقى نائمة، وإلا لكان الأسد أو حزب الله سعى إلى تفجيرها منذ عام على الأقل، وهذا أحد أهمّ الأسباب الداعمة لبقائه في دمشق!!
بالطبع هي معادلة صعبة الإعقال على المواطن العربي البسيط، فكيف تكون الممانعة هي نفسها الحامية والحليفة، والأطرف من هذا وذاك ما سمعناه بالأمس من أمين عام حزب الله حسن نصر الله وحديثه «الممنهج» عن أنّ «من يريد أخذ سوريا والعراق إلى حرب طائفية ومذهبية مصمم على نشر الفوضى في المنطقة وأنه بمواجهة هذا المشروع ثمة مسؤولية كبرى هي الحفاظ على الاستقرار في لبنان وكل ما يساعد على الفتنة يجب تجنبه في القول والعمل»، في وقت لم يكن قد اطّلع فيه بعد على خطبة «آية الله» أحمد جنتي مسـّاح قاضي محكمة الثورة في إيران، وإمام جمعة طهران المؤقت، وذلك خلال خطبته في صلاة الجمعة بجامعة طهران أمس وقوله: «على الشيعة العرب الدخول إلى سوريا والجهاد إلى جوار النظام السورى حتى لا تقع سوريا بأيدى أعداء آل البيت» وهذه دعوة خاصّة لجيران سوريا من شيعة حزب الله في لبنان وشيعة مقتدى الصدر في العراق!!
وانتبهوا جيداً لكلمة «الشيعة العرب»، لأنّ دماء الشيعة «الفرس» لا تُراق إلا على أرض أعجميّة، وقد نحتاج إلى تفسير حقيقي يوضح لنا ما هي علاقة بشار الأسد ونظامه بآل البيت عليهم السلام، سوى تلك الخدمات الجليلة التي يُقدّمها هذا النظام للمخطط الإيراني لاحتلال المنطقة العربية برمّتها، وقد سبق لجنتي مسّاح رئيس مجلس صيانة الدستور الإيراني أن اعتبر في خطبة أمام حشد كبير من قوات الباسيج والحرس الثوري بأن ‹›احتلال البحرين على يد المسلمين بات أمراً واجباً››!!
وبالطبع تزامن مؤتمر «أصدقاء» سوريا مع جملة تصريحات إيرانية استباقيّة متقدّمة طالعتنا أمس الأول لعلي أكبر ولايتي، المستشار الديبلوماسي لمرشد الجمهورية علي خامنئي والتي قال فيها: «إن نظام الرئيس بشار الأسد «لن يسقط» وأن خط الجبهة الذي يضم سوريا وإيران وحزب الله في مواجهة النظام الصهيوني لن يزول (…) متهماً «الولايات المتحدة أنها وبمساعدة العرب استهدفت النقطة الأكثر حساسية في محور المقاومة، ونسيت أن إيران والعراق وحزب الله يدعمون سوريا بحزم»!!
المحزن في هذا المشهد أن روسيا والصين نجحتا حتى الآن في فرض معادلة هي «الاستمرار في قتل الشعب السوري» وأن إيران وإسرائيل هما المستفيد الوحيد من بقاء هذا النظام، في وقت نرى فيه «عجز العالم المدروس» بعناية إسرائيل يطيل عمر الأزمة، وبصدق شديد نقول: «ليس كافياً أبداً الموقف المتقدّم «بالقول لا الفعل» الذي سجلته المملكة العربية السعودية بالأمس مع انسحاب وفدها من مؤتمر «أصدقاء سوريا» ولا تساؤل وزير خارجيتها سعود الفيصل ـ لكأنه تساؤل العاجز ـ: «هل من الإنسانية الاكتفاء بتقديم المساعدات وترك السوريين لآلة لا ترحم؟ وليس كافياً تأكيده أن السبيل للخروج من الأزمة السورية هو نقل السلطة طوعاً أو كرهاً وإعلانه انسحاب الوفد السعودي احتجاجاً على عدم فاعلية اجتماعات تونس»!!