لا يختلف ارباك اللبنانيين ذوي الاصول الارمنية عن ارباكات الطوائف والجماعات الأخرى سواء في السياسة الداخلية او في مقاربة الازمة السورية. لكن في الحسابات الارمنية، يبدو إرباك احزابهم اشد وطأة ومدعاة للقلق والخوف من الآتي.
منذ زمن طويل، وتحديداً بعد احداث 1958، التي انتهت مع تداعياتها الى مقتل نحو 400 شاب ارمني في مواجهات عسكرية او اغتيالات ارمنية – ارمنية، حسم الارمن خطهم السياسي العام: الحياد الايجابي او الحياد الملتزم. قرروا انه لا يفترض ان يدفعوا اثماناً باهظة في صراعات محكومة بأن تنتهي الى تسويات على الطريقة اللبنانية. حصلت بعض الخروقات الطفيفة للحياد المفترض، لكن تواطأ الجميع على غض الطرف عنها.
بعد اتفاق الطائف، تغير الواقع الأرمني السياسي. كُسر احتكار «الطاشناق» للتمثيل النيابي. صار لهم شركاء آخرون من الاحزاب الارمنية الاخرى. خسر الطاشناق» بعض اوراقه، كُشفت اوراق اخرى، لكنه بقي اللاعب الأقوى والاحنك على الملعب اللبناني – الأرمني.
اليوم يعيش «الطاشناق» تداعيات الاحداث في سوريا بارتباك واضح. هل هذا ما دفعه لتجديد تحالفاته القديمة؟ ام ان التخبط في البحث عن شبكة أمان داخلية؟ هل يخاف «الطاشناق» من الآتي أم هي «السياسات الصغيرة» للطوائف الصغيرة تتسلل في أزمنة القلق؟ أي سياسة ينتهجها الارمن اليوم حيال التطورات في المنطقة
لا تستقيم الاجابة ان لم تبدأ من سوريا. فالانظار تتركز بشكل خاص على تطوراتها. ففي سوريا بحسب مصادر ارمنية محايدة «نحو 80 الف ارمني يتوزعون بشكل اساسي على حلب (نحو ستين الفاً) وعشرة الآف في دمشق. ويتوزع الباقون على القامشلي، اللاذقية وكسب». تضيف المصادر «إن جميع الارمن السوريين موالون للنظام القائم. فمناصري «الطاشناق» كما «الهنشاك» و«الرامغفار» وحتى الكنائس الارمنية يؤيدون النظام». وتشرح «معظم الارمن في سوريا ينتمون الى الطبقة الوسطى وما فوق. اوضاعهم المالية مريحة وهم في معظمهم اما صناعيون او مهنيون ولا يعانون اية مشاكل. والعلاقات بين الارمن والعلويين كانت جيدة عبر التاريخ. ليس للارمن طموحات سياسية ولا هم من اصحاب الآراء المتشددة وبالتالي فإن حياتهم تسير على ايقاع مقبول، تتقاطع فيها المصلحة مع الرغبة بالاستقرار وربما قليلا من ضغوط السلطة التي اعتادوا عليها ويعرفونها».
تضيف المصادر «يشعر الارمن السوريون اليوم بالخوف والخطر لاسباب متعددة. فهم منذ نحو سنة يعيشون تراجعاً دراماتيكياً في استقرارهم الاقتصادي والاجتماعي عبر تراجع العمل والانتاج وتصريفه. وهم من جهة اخرى يعيشون الخوف من تطور الاحداث الامنية والأخطر انهم يتخوفون من المجهول الآتي». تتابع «لا يخاف الارمن «الاخوان المسلمين». فهم يعرفونهم عن كثب وتواجدهم كبير وتاريخي في حلب. لا يسكنهم هاجس ذبح المسيحيين الذي يسوق له البعض. لكن الأكيد ان المجهول هو اكثر ما يخيفهم. فهم لا يعرفون كيف ستتطور الامور والى اين يمكن ان تؤدي».
كيف ينعكس واقع حال الارمن في سوريا على سياسة الارمن في لبنان؟
يحرص المعنيون من الاحزاب على التأكيد انهم يريدون «النأي بأنفسهم عما يجري في سوريا. فالارمن السوريون ادرى بالموقف الذي عليهم اتخاذه». لكن مع الدخول في التفاصيل تتخذ الكلمات معانيها ودلالاتها المختلفة. ويؤكد مصدر في «الطاشناق» أن «موقفنا واضح. فدعوتنا متواصلة الى نبذ العنف واعتماد الحوار كحل اساسي ووحيد لكل المشاكل. كما اننا نرفض اي تدخل خارجي في اية دولة عربية لأن ذلك يعني حكماً تدخلاً لمصلحة الغرب. اما لبنان فنحن كنا وما نزال ندعو الى الحياد الملتزم وعدم فتح ابوابنا ونوافذنا للريح من اية جهة».
اما «الهنشاك» فيؤكدون «ان توافقاً تم بين الاحزاب الارمنية ان نتجنب اقحام الوضع السوري في انقسامات 8 و14. وان نترك للشعب السوري، ارمنيا كان او غير ارمني، ان يقرر مصيره». وبين رغبة «الهنشاك» في تقرير الشعب مصيره ودعوة «الطاشناق» للحوار مساحة شاسعة ترعى فيها الغزلان.
ويعلق مصدر في «الهنشاك» متسائلا «اي حوار يمكن ان يقوم تحت المدفع؟»، ثم يعود للاستدراك «نحن لا نريد ان نسجل اي موقف في الشأن السوري كي لا نضر اخواننا في سوريا. لكن بعض الاسئلة مشروعة وعلى الارمن ان يفكروا فيها. فالازمة مفتوحة على كل الاحتمالات. فهل أمّن الارمن خط العودة؟ هل حموا انفسهم عبر الوصل مع الجميع كما هي عاداتهم؟ هل مقبول ان يقف مطرانا حلب والشام ليعلنا دعمهما للنظام وانحيازهما الكامل الى جانبه؟ ماذا لو سقط هذا النظام؟ من سيحمي الارمن؟ في المجلس الوطني السوري المعارض شخصيات من كل الطوائف المسيحية والاسلامية الا الأرمن. فهل هذا طبيعي؟ اليس الأرمن جزءاً من مجتمعهم؟».
وفي الترجمة اللبنانية، يعتبر مسؤول في «الهنشاك» ان سياسة النأي بالنفس «مفيدة للبنان شرط ان تكون جدية. لكن وفق ما تجري تظهر بوضوح الانحياز للنظام السوري. وهي باقية لهذا الهدف تحديداً وليس لأي سبب آخر».
وعن حراك «الطاشناق» وانفتاحهم على حلفائهم القدامى من النائب ميشال المر الى «القوات اللبنانية» وبعض الرسائل المتبادلة مع «الكتائب»، يبدي المسؤول في «الهنشاك» أسفه «للحفاوة التي يتعاطى فيها بعض الحلفاء مع الطاشناق. وكأنهم لم يكتشفوا أساليبهم بعد. نحن لا نعتب على الطاشناق بل على حلفائنا. فالطاشناق يريد أن يؤمن شبكة أمان محلية مع احساسه بانسداد الافق امامه خصوصاً في الموضوع السوري. ومرة جديدة يقع حلفاؤنا في الفخ نفسه. لكن الانتخابات لا تزال بعيدة والطاشناق لن يستطيع هذه المرة استقدام 8000 مغترب للتصويت وقد قرأ وفهم جيداً معنى ان تنال لائحة 14 آذار في المتن 2900 صوت ارمني من دون وجود مرشح ارمني».
لكن «الطاشناق» ينأى بنفسه عن موضوع الانتخابات ويضع زياراته ضمن «اطار جولة بدأت من رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس نبيه بري مروراً بسمير جعجع ولن تنتهي عند النائب المر». الملفات الساخنة كثيرة والأكيد ان الانتخابات ليست اليوم في طليعتها، واذا شعر الأرمن أن حليفاً لهم اختار أن يخسر طوعاً في السياسة، فهم ليسوا من هواة الخسارات، بل يريدون الربح، ولو اقتضى الأمر تدويراً للزوايا وملء الوقت الضائع عند التقاطعات التي تشهد زحمة أحداث كبرى.