كتب وسام سعادة في صحيفة "المستقبل":
لماذا لم ينتفض "الجيش العربيّ السوريّ" كمؤسّسة على نظام بشّار الأسد؟ ولماذا ظهر "الجيش السوريّ الحرّ" كمعطى أساسيّ في الثورة السوريّة بعد شهور من الإصرار السلميّ الجماهيريّ في مواجهة حمّام دمّ مستمرّ، وجرائم ضدّ الإنسانيّة متواصلة على مسمع ومرأى البشريّة جمعاء؟
هل "الجيش العربيّ السوريّ" من نسيج خاص، يختلف فيه عن المؤسستين العسكريتين المصريّة والتونسيّة، وأيضاً عن الحالة الليبية، التي انشق فيها النظام على نفسه، بشكل نصفيّ، منذ اليوم الأوّل للثورة؟
للإجابة على ذلك، لا بدّ من الرجوع إلى أوّل نكبة سوريا بالكابوس الذي اسمه "حزب البعث العربيّ الإشتراكيّ". أي يوم لم يتح للنظام البرلمانيّ فيها أن يعود بعد سقوط تجربة الوحدة مع مصر، فدخلت البلاد مرحلة من الإضطرابات، كادت تصل الى شفير حرب أهلية عام 1962، واستفاد البعثيّون العسكريّون من الوضع، ليفرضوا إرادتهم داخل حزبهم وعلى المجتمع في آن، بدءاً من انقلاب 8 آذار 1963. ثم ليكشفوا شيئاً بعد شيء، بدءاً من 23 شباط 1966، عن الطابع الفئويّ، الأقلويّ، لسياساتهم، الإستئثارية بالسلطة، التي ستتخذ طابع ديكتاتوريّة فرد واحد، حافظ الأسد، ومعه أشقاؤه ثم أبناؤه، ابتداء من انقلاب الحركة "التصحيحية" في 16 تشرين الثاني 1970.
في الستينيات من القرن الماضي، قامت مجموعة سريّة داخل الجيش السوريّ، تعتبره جيشاً انعزالياً، غير قوميّ، وبرجوازياً، غير اشتراكيّ، وتراتبياً، غير ثوريّ. وارتأت استبداله بجيش قوميّ، وتقدميّ، وثوريّ، يمكن أن يرفّع فيه المرء بشكل اعتباطيّ، وهو ما خبره حافظ الأسد عندما رفّع بسرعة قياسية عام 1963 من نقيب مسرّح إلى مقدّم إلى آمر قاعدة الضمير الجويّة، إلى أمر لسلاح الجوّ السوريّ، إلى لواء، ثم سيعود ويَخْبِرَه نجله بشّار الأسد بعد وفاة أبيه، عندما سيخلع عليه لقب "فريق".
1962: الحرب الأهليّة المؤجّلة
لم تفلح سوريا، بعد انفكاك دولة "الوحدة" مع مصر، في 28 أيلول 1961، وإعلان "الجمهوريّة العربية السوريّة" في اليوم التالي، في العودة مجدّداً إلى رحاب النظام الديموقراطيّ البرلمانيّ كما كان معمولاً فيه بين العامين 1954 (منذ سقوط ديكاتوريّة أديب الشيشكلي) و1958 (قيام "الجمهوريّة العربية المتحدة" على قاعدة إلغاء الحياة النيابية والتعدّدية الحزبية).
في أوّل الأمر، أعلن قادة "الإنفصال"، وفي طليعتهم "الكولونيل" عبد الكريم النحلاوي، عودة الجيش إلى الثكنات، على أنّ يتكفّل في الوقت نفسه بالسهر على إعادة النظام الديموقراطيّ، وكذلك الحيلولة دون وقوع الديموقراطيّة في الفوضى أو انقلابها إلى ديكتاتوريّة واستبداد، راجياً من الساسة المدنيين عدم توريط الجيش في الوقت نفسه بانقساماتهم وخلافاتهم. لكنّ النحلاوي لن يتأخّر بعد أشهر قليلة من انتخابات كانون الأوّل 1961 في القيام بانقلاب جديد، في 28 آذار 1962، مستبقاً موجة متصاعدة من مناشدات المدنيين للعسكر بعدم التدخّل في الحياة السياسية. هذا الإنقلاب افتُتِح ببلاغ حمل الرقم 26، للدلالة على أنّه تكملة للإنقلاب الأوّل (مذكرات أكرم الحوراني). وقضى الإنقلاب الجديد بـ"حلّ المجلس النيابي لأنّه عجز عن القيام بالمهمة الموكولة اليه وسعى لتأمين مصالح أعضائه ومنافعهم الشخصية"، وبإقالة حكومة معروف الدواليبي.
وخلافاً لتوقّعات النحلاوي، وضع الإنقلاب الجديد سوريا على شفير حرب أهلية، وهو ما فسّره الفرنسيّ برنار فرنييه في دراسة له حول "الدور السياسيّ للجيش السوريّ" عام 1964، بأنّه يعود الى عدم رغبة الأقاليم السوريّة، الأخرى، التي غذّت فترة الوحدة مع مصر نزعتها اللامركزيّة في الخضوع مجدّداً لسلطة دمشقية أحاديّة، علماً أنّ هناك كمّاً من التعليلات الأخرى تركّز على الدور المصريّ في دفع النحلاوي للقيام بخطوته، ثم في الإيقاع به.
وهكذا، أعلن العميد بدر الأعسر قائد المنطقة الوسطى في حمص، بعد ثلاثة أيام من الإنقلاب مقاومته له، مطالباً بإجبار جماعة النحلاوي على مغادرة البلاد. أما في حلب، فتمرّد الضباط البعثيّون والناصريوّن بقيادة جاسم علوان، ورفعوا علم "الجمهورية العربية المتحدة"، غير أنّ سلاح المدّرعات انحاز إلى سلطة دمشق، ما مكّن من قمع الحركة.
وفي ظروف كهذه، كانت الوحدة الوطنيّة مهدّدة، وكذلك وحدة الجيش، انعقد مؤتمر عسكري عام في حمص في نيسان 1962، وطالب بإعادة الضبّاط المسرّحين منذ "الإنفصال". إلى الجيش، أي، بمعنى ما، إعادة ضبّاط الأقليّات المذهبية، لأنّ هؤلاء كانوا سرّحوا أكثر من سواهم، سواء في مرحلة "الوحدة" أو في مرحلة "الإنفصال"، فكانت عودتهم، بعد مؤتمر حمص، بمثابة "رّدة عكسيّة"، أي الإنتقال من جيش تستبعد منه الأقليّات، إلى جيش بصبغة أقلويّة.
لكن ذلك، حدث تدريجياً. اتفق المؤتمر العسكري العام على ابعاد النحلاوي قائد الإنفصال وكتلة ضباطه الشاميين من سوريا. واللافت يومها أنّ العميد الدمشقي مطيع السمان خطب في مؤتمر حمص مطالباً بطرد ستة ضباط غير دمشقيين، لكي تتحقق المساواة، هذا بغض النظر عن تورّطهم أو عدم تورّطهم في أحداث 28 آذار 1962.
في مذكراته، يصف أكرم الحوراني (1911-1996) انقلاب 28 آذار 1962 الداميّ بأنّه "أحدث آثاره الطائفية المقيتة، فدمشق بأسرها حزنت على أبنائها من الضباط الذين أودى بهم عصيان حلب، وفي مقابل ذلك وصلتني رسائل من بعض القرى في شرقي حمص ومن منطقة اللاذقية تستنجد بي لانقاذ الموقوفين المتهمين بحوادث حلب". ويتابع "كان اعتقادي ان واجبي يقضي أول ما يقضي وضع حد للآثار الطائفية التي خلفتها أحداث حلب، ثم السعي فيما بعد الى عدم تنفيذ الأحكام أو التخفيف منها، ولا سيما أن مؤتمر الجيش في حمص قد قرر وجوب اصدار عفو عن المشاركين بحوادث العصيان".
أما الهولنديّ نيقولاوس فان دام، صاحب الكتاب المرجعيّ "الصراع على السلطة في سوريا، الطائفية والإقليميّة والعشائرية في السياسة 1961-1995" فيعلّق على انقلاب 28 آذار بالقول انه أدّى إلى الإنهيار السريع لـ"جماعة النحلاوي المكوّنة من ضباط دمشقيين، ويرجع ذلك جزئياً الى أن النحلاوي لم يتلقَّ الدعم الكامل من غير الدمشقيين" ويتابع "لقد حاول جاهداً دون جدوى في 28 آذار أن يقوي قبضته المتراخية على جهاز الجيش والحكومة عن طريق انقلاب عسكري، وبعد هذه المحاولة الفاشلة تم طرده من سوريا مع خمسة من أبرز زملائه العسكريين الدمشقيين".
ويستشهد فان دام بمذكّرات القائد الأعلى للقوّات المسلّحة السوريّة حينذاك. اللواء زهر الدين (درزي)، الذي يقول أنّه في الفترة اللاحقة على نفي النحلاوي وجماعته، تمّ استبدال الضباط الدمشقيين في العاصمة بـ"ضباط لا يضمرون لدمشق وأهلها إلا الحقد والكراهية".
وهناك من يحلّل الأمور، فيقول أنّ مسارها تطوّر سريعاً من الغاء الضبّاط الشاميين والحلبيين لبعضهم البعض، إلى ارتفاع سهم الضباط الريفيين من السنّة، إلى تسلّم الضبّاط الريفيين من غير السنّة للدفّة.
وإذا كان اقصاء النحلاوي في نيسان 1962 قد أضرّ بالمجموعة الدمشقية داخل هرم القيادة العسكرية السورية، فإنّ عودته بعد 7 أشهر على ابعاده، ومغامرته بتمرّد عسكريّ فاشل في 13 كانون الثاني 1963 ستتكفّل بتصفية شاملة لهذه المجموعة. ويشرح كمال خلف الطويل بأنّ النحلاوي الذي كان "دمشقياً بامتياز ومحافظاً متديناً لدرجة الارتباط غير المعلن مع جماعة الإخوان المسلمين، قد عاد متسللاً الى سوريا في 13 كانون الثاني 1963، ليحرض بقاياه في الجيش على الانقلاب". الا ان "ما فتك بالنحلاوي كانت الوعود المعطاة له من قبل أطراف وحدوية وبعثية بنصرته إن تحرّك، فهذه الأطراف أوقعته في الفخ، بل وتحرّكت ضده لدرجة إيصاله لليأس، والخروج القسريّ من البلاد ثانية.
الخماسيّ الإنقلابيّ وانقلاب 8 آذار
وجد "حزب البعث العربيّ الإشتراكيّ" صعوبة بالغة في إحياء تنظيمه أو في تحديد رؤاه في تلك المرحلة. وجاء المؤتمر القوميّ الخامس الذي عقده الحزب في حمص في أيّار 1962، ليعكس حدّة الأزمة. فكانت القطيعة النهائية بين "البعث" وبين تيّار أكرم الحوراني، الذي دافع بقوّة عن خيار الإنفصال عن "الجمهوريّة العربيّة المتحدة" ولم يتراجع عن ذلك كما فعل صلاح الدّين البيطار. أمّا المؤسّس ميشيل عفلق، فطلع بصيغة أنّ "أخطاء الوحدة لا تبرّر الانفصال" لكنّه كان يواجَه من داخل "البعث"، وتحديداً من الجناح العسكريّ، بنصيبه من هذه الأخطاء، أي موافقته على حلّ الحزب، وهو الشرط الذي وضعه جمال عبد الناصر لإتمام الوحدة في شباط 1958.
عام 1962 إذاً، اعتبر عفلق ان "خطر الأخطاء التي سبّبت فشل تجربة الوحدة على القضية القومية ينتهي بمجرد ان يطلع الشعب على هذه الأخطاء ويعرف كيف يصحّهها ويتلافاها، أما خطر الوضع الانفصالي فلا ينتهي بمجرد الاطلاع على حقيقة مفضوحة، وانما يترتب على الشعب ان يستجمع كل طاقته النضالية ليقاوم المصالح الرجعية والاستعمارية التي يتكوّن منها الوضع الجديد".
إلا أنّ هذا الحكم السلبيّ على الإنفصال، الذي يتقاطع مع نظرة الضباط البعثيين الشبّان يومها، كان يمتزج عند هؤلاء مع حكم سلبيّ على عفلق والبيطار والحوراني كونهم قبلوا بحلّ الحزب، كما قبلوا بإبعادهم كضبّاط إلى مصر، ولم تقنعهم كلمات عفلق بأن "الحزب فوجىء في سوريا أثناء مباحثات الوحدة حين اشترط عبد الناصر حل الأحزاب في سوريا وحين أرجأ دراسة صيغة الوحدة الى ما بعد اعلانها. ولكنه لم يضع هذه العوائق بمستوى الوحدة نفسها ومضى في تنفيذ خطته وقبل بشروط عبد الناصر، لأنه كان يريدها وحدة يتقوى بها العرب جميعاً، ويتدعم بها نضالهم في كل مكان، يريدها ضمانة لانتصار ثورة الجزائر وبداية لتحرير فلسطين".
فمن جهتهم، استكمل هؤلاء الضباط البعثيّون الشباب الحكم السلبيّ على الإنفصال بحكم سلبيّ نهائيّ على "الأساتذة الثلاثة" (عفلق، البيطار، الحوراني)، وحكم سلبيّ آخر على من يرى العودة فوراً إلى الوحدة مع مصر. وبالنتيجة نشأت نواة عسكرية بعثية سرّية، لها مرمى واحد: اقامة نظام بعثيّ عسكريّ، يفرض من خلاله "البعث" إرادته في الجيش، ويفرض الجيش من خلاله إرادته في "البعث"، وهو ما كان يعني موضوعيّاً. صعوداً لأقليّة الأقليّة، الأقليّة العسكريّة في البعث، والأقليّة البعثيّة في العسكر. وإذا ما احتسبنا أنّ البعث كان حزباً يجتذب أبناء الأقليّات، فهذا يعني بداية العدّ العكسيّ لنظام حزبيّ أحاديّ وعسكريّ وأقلويّ في آن.
وبأسلوبه، يقول حازم صاغية في كتابه "البعث السوريّ" أنّه "ومن دون أن تكون الأمور مصمّمة على نحو تآمري مسبق، قضى تركيب الحزب أن يكون ثلاثة من قادة اللجنة العسكريّة علويّين، وهم أبرزهم محمد عمران، وثانيهم صلاح جديد، ثم حافظ الأسد. أما الإثنان الآخران، عبد الكريم الجندي وأحمد المير، فكانا اسماعيليين". ويتابع "بالطبع توسّعت تدريجياً اللجنة التي حافظت على سرّيتها لتضمّ الضبّاط البعثيين من سائر الطوائف، كأحمد سويداني ومصطفى طلاس من السنّة، وحمد عبيد وسليم حاطوم الدرزيين، إلا أن قيادتها الفعليّة بقيت في أيدي المؤسسين الخمسة".
ويشرح فان دام أن "القيادة العليا للجنة العسكرية البعثية" تأسّست عام 1959 في أيّام الوحدة، وتشكّلت من "الخمسة" الذين جرى تعدادهم خلال تواجدهم في مصر قسراً. ويقول أن "معظم أعضاء اللجنة العسكرية من أصول قروية وينتمون لعائلات فقيرة، ما عدا صلاح جديد وعبد الكريم الجندي فكانا ينتميان لعائلات بارزة من الطبقة المتوسطة"، ففي حين يعتبر جديد حفيداً لأحد زعماء اتحاد الحدادين للعشائر العلوية، ينتمي حافظ الأسد لشق "النميلاتية" من "المتاورة".
وجاء انقلاب 8 شباط 1963 على حكم عبد الكريم قاسم في العراق، الذي تشارك فيه الوحدويّون، من ناصريين وغير ناصريين، مع البعثيين من عسكريين وميليشيويين، ليدغدغ آمال "اللجنة العسكريّة" بظهور سريع لنظام بعثيّ صاف في سوريا.
وكان لـ"اللجنة" ما أرادت، بانقلاب نفّذه زياد الحريري، الذي لم يكن بعثيّاً، وإنما "وحدويّاً عربيّاً مستقلاً" غير ناصريّ. وزياد الحريري سنيّ من حماة، ويعتني برنار فرنييه باظهار صلة القربى التي تجمعه بالرئيس أديب الشيشكلي (اغتيل عام 1964 في منفاه البرازيلي على يد الشاب نواف غزالة)، فيما يصفه حازم صاغية بأنّه "ضابط مغامر كان مقرّباً من أكرم الحوراني قبل أن يبدأ العمل لحسابه الخاص" (هنا أيضاً ثمة علاقة قربى عائلية بين الحريري والحوراني تتيح للبعض التقدير بأنّ الأخير كان على علم بانقلاب 8 آذار 1963، والله أعلم).
ويستخدم كمال خلف الطويل صيغة أخرى فيصفه بأنّه "ضابط طموح انتهازي برتبة عقيد يتولى قيادة القطاع الشمالي للجبهة" (مع اسرائيل) وأنّه "لم يكن محسوباً لا على الوحدويين ولا على البعثيين بل قد عرف عنه إعجاب مكتوم بأكرم الحوراني". ويلفت الطويل إلى حيثيات تحلّق مجموعة من الضبّاط حول هذه الشخصية: "ففي الشهور الأخيرة من الانفصال وخصوصاً بعد دورة شتورا للجامعة العربية في آب 1962 والتي شهدت أعنف الحملات على عبد الناصر من قبل انفصاليي دمشق قام استقطاب داخل الجيش بين ضباط الانفصال والذين أضحى رمزهم العميد مطيع السمان قائد قوى الأمن الداخلي وبين الضباط المناهضين للانفصال والذين تكوكبوا حول العقيد زياد الحريري".
وكما أنّ انقلاب 8 شباط العراقي غّذى طموحات البعثيين، فإنّه استوجب تحسّباً زائداً من قبل حكام الإنفصال وقتها من مغبّة قيام انقلاب وحدويّ، بعثيّ أو ناصريّ أو بين بين، فقرّروا اخراج زياد الحريري ملحقاً عسكرياً في بغداد أو في عمّان، ثم غطوا القرار بابعاد العميد مطيع السمّان نفسه ملحقاً عسكرياً في دولة آسيوية. ويروي الطويل أيضاً أنّه "لوهلة وهنت أعصاب الحريري فهو ليس من زمرة المتآمرين المخضرمين الأشداء وقرّر الخضوع لقرار التسفير" الا أنّ ضغوط حلفائه، بعثيين وناصريين، أثنته عن ذلك ودفعته للإنقلاب، الذي لم يكن مفاجئاً لأحد من حيث توقيته.
ويصف عزو محمد عبد القادر ناجي في دراسة له تحت عنوان "العشائرية وخصوصية الشعب والعوامل الشخصية وصراع الأجيال وتأثيرها على عدم الاستقرار السياسي في سوريا" العناصر المكوّنة لإنقلاب 8 آذار 1963 فيقول أن "معظم قادة انقلاب زياد الحريري كانوا من جيل الشباب الذين تقل أعمارهم عن متوسط أعمار ضباط الجيوش النظامية الأجنبية، وكانوا متميّزين بانخفاض مستواهم التعليمي عن مستوى الصفوة السياسية المدنية، التي كانت سائدة قبل ذلك".
والحال أنّ زياد الحريري تمكّن صبيحة 8 آذار هذا، من مغادرة الجبهة على رأس لواء من الجيش، ودخل دمشق في انقلاب ميسّر، فسيطر على الدوائر الحكومية من دون أن يلقى مقاومة حقيقية، مع أنّ الوحدات العسكرية التي مرّ بها ما بين الجبهة ودمشق كانت تفوق في عددها خمسة أضعاف اللواء. بهذه السهولة المجانيّة ولد عهد "سيكون أحد أطول العهود السلطويّة في التاريخ العربيّ الحديث، كما سيكون واحداً من أقساها" (حازم صاغية).
ولا تعني هذه السهولة شعبية من أي نوع. بالعكس تماماً. فمن ناحية الجيش، نأى سلاح المدرّعات بنفسه عن الإنقلاب، ولو أنّه لم يبلّغ القيادة المركزيّة في دمشق بتحرّك اللواء الإنقلابيّ للزحف عليها. وكذلك فعل سلاح الطيران، في حين سجّلت مشاركة "المظليين" في الزحف على العاصمة. أما "البعث"، فكان أعضاؤه لا يزيدون إلا قليلاً عن 400 عضو، وسيفاخر حافظ الأسد "ما أن يحكم قبضته على مفاصل القوة العسكرية والمدنية أنّ عدد أعضاء الحزب كله سبعة أعضاء في مدينة حلب كلها، متباهياً بأن انقلابه هو الذي أحيا الحزب وأعاد إليه كيانه" (عدنان سعد الدين).
وأوّل ما سيقوم به الإنقلابيّون هو اعادة أعضاء اللجنة العسكرية البعثية الخمسة إلى الجيش، وقد تضمّن البيان التاسع الصادر عنهم ذلك اضافة إلى حوالي 30 ضابطاً آخرين، كما جرى ترفيع النقيب حافظ الأسد المعاد بدوره إلى الجيش إلى رتبة مقدّم، من دون أن يمرّ برتبة رائد.
وبشكل أعمّ، تلهّى الإنقلابيّون بترفيع بعضهم لبعضهم الآخر في الرتب العسكريّة، من دون أي معيّار غير الإعتباطية. فالعميد لؤي الأتاسي صار فريقاً ركن، والعقيد زياد الحريري سمي لواء، والعميد راشد القطيني كذلك، وكل ذلك في يوم الإنقلاب نفسه، في حين سيتم ترفيع العميد غسان حداد لواء، والعقيد محمد عمران لواء، والمقدم صلاح جديد لواء في 1 12 1963، وهكذا. كان ذلك بالطبع قبل أن تضرب هذه العادة الإنقلابيّة البعثية رقمها القياسيّ مع بشّار الأسد لاحقاً، يوم رفّع مقدّم ركن عام 1997، ثم إلى عقيد ركن عام 1999، ثم إلى رتبة فريق إثر وفاة والده.
ومع اعادة أعضاء اللجنة العسكرية إلى القوات المسلحة، صارت هذه اللجنة النواة الموجّهة الحقيقية لمجلس قيادة الثورة، في حين صار الأعضاء الآخرون واجهة تنتظر التصفية تدريجياً.
ولم يتأخّر البعثيّون في الإستئثار بالحكم الإنقلابيّ، فكانت أمورهم في سوريا أسهل نوعاً ما من حال العراق. استفادوا في مرحلة أولى من الغطاء الذي أعطاه جمال عبد الناصر لهم، ولزملائهم العراقيين، من خلال توقيع مشروع الإتحاد الثلاثيّ بين مصر وسوريا والعراق. فتمكّن البعثيّون في هذا الوقت الثمين من تثبيت دعائم حكمهم في وحدات الجيش والأجهزة الأمنية، ويومها كان عبد الناصر مندفعاً إلى طرح تصوّره لتنظيم حزبي على شاكلة الإتحاد الإشتراكي تندمج فيه القوى السياسية "الوحدوية" في البلدان الثلاثة، وفي هندسة دستور لجمهورية عربية متحدة ثلاثية. في هذا الوقت، كانت اللجنة العسكرية البعثية تعمل ميدانياً لعزل العناصر المريبة لها داخل الأجهزة الأمنية، ولم تتأخر في طرد اللواء زياد الحريري وزير الدفاع ورئيس الأركان.
فكان أن دعي الأخير إلى الجزائر "لإعادة توثيق العلاقات" بين البلدين، وما إن غادر حتى جرى تكليفه بوظيفة ملحق عسكريّ هناك، لكنه ركب رأسه وعاد إلى دمشق، متكلاً على تحرّك الضبّاط الـ25 الحمويين من خاصته، فاكتشف أنهم ابعدوا جميعاً، ولم يجد بدّاً من قبول وظيفة ديبلوماسية، لكن مدنية هذه المرّة. ومما يرويه هنا القيادي الإخواني الحموي عدنان سعد الدين أن الضابط عارف الجاجة من حماة أيضاً، رغب في تلك الأثناء بلقاء عدد من الإخوان مستنجداً بـ"المنظمات الحزبية والجماهير الشعبية لفك الحصار الذي ضربته الفئات الطائفية بالجيش حول الحريري، وطلب منا أن نخرج في مظاهرات صاخبة وداعمة، فسألناه: تحت أي لافتة أو شعار تتحرّك المظاهرات؟ فقال: تحت شعار الحرية والوحدة والإشتراكية". فيخلص سعد الدين الى القول "سرعان ما افترقنا مدركين ما كانت عليه هذه المجموعة من الغفلة والسذاجة".
قمع الإنتفاضات وحلّ الجيش
لكنّ تحكّم العناصر البعثية العسكريّة الأقلويّة بالسلطة على هذا النحو سرعان ما فجّر تململاً ثم احتقاناً ثم انفجاراً سنياً ناصريّاً، عبّرت عنه انتفاضة دمشق في 18 حزيران 1963، التي جاءت كانتفاضة شعبية مدعومة بانقلاب عسكريّ سيىء التحضير والتجهيز، خصوصاً وأنّ التنظيمات الناصرية في الجيش، كانت مشرذمة ومخترقة أكبر اختراق من قبل البعثيين، وكان العقيد جاسم علوان عرّاب المحاولة الإنقلابية الناصرية التي سحقها البعثيون سريعاً ببحر من دماء، ناهز 800 قتيل في يوم واحد في دمشق وحدها. وهنا سيبدأ الفصل الأكثر احتداماً من الحرب الكلامية بين جمال عبد الناصر والبعثيين الذين سيصفهم بـ"الفسقة والقتلة"، فسقط مشروع الوحدة الثلاثية.
وفي التصدّي للإنقلاب الناصريّ، سيضع البعثيّون الفريق أمين الحافظ في الواجهة، حيث سيخرج الأخير من مبنى الأركان ورشاشه بيده ليقود عملية المواجهة. وبعد دوره في إفشال الانقلاب الناصريّ، سيتولّى الحافظ عزل لؤي الأتاسيّ الذي شغل بعد 8 آذار منصب رئيس مجلس قيادة الثورة، وسيتولى الحافظ هذا المنصب ورئاسة الجمهورية، لكن كل ذلك لم يكن الا تمهيداً لإقصائه هو الآخر.
وبعد تصفية الناصريين في دمشق، سيواجه الحكم البعثيّ العسكريّ الأقلويّ انتفاضة إسلاميّة في مدينة حماة، ويتمكّن من إخمادها مرة أخرى بالحديد والنار، وبهدم المساجد. فجرى هدم جامع السلطان. وفي حمص اقتحمت المجنزرات مسجد خالد بن الوليد في صيف 1964. ويروي عدنان سعد الدين ان "نور الدين الأتاسي كان وزيراً للداخلية في حكومة أمين الحافظ، وقد أشرف بنفسه على عملية اقتحام المسجد واعتقال المصلّين، فقد شاهده المعتقلون عندما أخرجوا من المسجد، وهو واقف خارجه يقود أو يشرف على عملية الاقتحام".
ثم كانت تصفية جماعة أمين الحافظ، الذي سيقول حافظ الأسد عنه أنّه "ما كان يستطيع أن يحرك جنديأ من مكانه". حاول الحافظ التذاكي، مستدعياً اللواء محمد عمران، الذي كان نفاه رفيقاه صلاح جديد وحافظ الأسد إلى اسبانيا، تبرّؤاً من طائفيته العلنية. فكان الرد صبيحة 23 شباط 1966، بهجوم شنّه عساكر الصاعقة بقيادة سليم حاطوم، وسرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد على منزله. وبإسقاط الحافظ، كان الثنائيّ "البعثي العسكريّ الأقلويّ" جديد الأسد يُحكم قبضته تماماً على الحكم.
لكن أهمّ ما تضمّنته هذه المرحلة الممتدة من انقلاب 8 آذار إلى 23 شباط 1966، هو قرار "اللجنة العسكريّة" حلّ الجيش السوريّ النظاميّ، بالشكل الذي عرفته سوريا منذ استقلالها عن الفرنسيين، والسعي إلى تشكيل جيش جديد، دعي بـ"الجيش العقائديّ"، في شيفرة كلامية لا يجد أحد كبير صعوبة في ترجمتها "الجيش الفئويّ".
لقد أدى تسريح مئات الضباط بعد هذه الإيقاعات الإنقلابية المتتالية إلى مشكلة حقيقية. فبعد انقلاب حزيران 1963 الناصريّ لوحده، سرّح ألف ومئة ضابط وصف ضابط، كانوا في سوادهم الأعظم من اللون السنيّ. وما كان بمستطاع البعثيين وهم، بضع مئات من المدنيين والعسكريين، تعبئة هذا الفراغ، الأمر الذي استدعى تعويلهم أكثر فأكثر على البنى العشائرية والمذهبية التي ينتمون إليها، إلى حدّ استغاثة مشايخ عشائرهم وطوائفهم الدفع في هذا الإتجاه، أي حثّ أبناء عشيرتهم وطائفتهم للإنخراط في الجيش، وفي المقابل تسهيل شروط قبولهم في الكليات العسكرية، والبحرية، والجوية.
هذا عموماً الخط التحليلي الذي يترصّد نيقولاوس فان دام في دراسته حول "الطائفية والإقليمية والعشائرية"، في المقابل، فإن العودة إلى الدراسة القيمة لبرنار فرنييه في منتصف الستينيات، تشير الى أنّ هذه المعادلات الطائفية كانت تسوّغ نفسها بتخريجة خاصة، وهي تحويل معلّمي المدارس من البعثيين وأقربائهم إلى ضبّاط وصف ضبّاط، بل أنّ ذلك كان ركيزة من ركائز بناء هذا "الجيش العقائديّ".