الإنفاق من خارج الموازنة ليس 11 مليار دولار بل 22 ملياراً
ما هي دوافع بري وعون لعدم السير في تسوية شاملة بدءاً من 2006؟
عندما أطلق رئيس مجلس النواب نبيه بري تساؤله المثير من على باب القصر الجمهوري في بعبدا مطلع حزيران 2010 عن مصير 11 مليار دولار من الانفاق، لم يكن ذلك السؤال إبن ساعته، أو في إطار ممارسة رئيس المجلس دوره الرقابي على الحكومة بعد 4 أعوام من الاقفال القسري لمجلس النواب ورفض 5 مشاريع موازنات تقدمت بها حكومتا الرئيس الاسبق فؤاد السنيورة عن الاعوام 2006 و2007 و2008 و2009 و2010، بل كان هجوما سياسيا استبق فيه الحملة التي كانت تعد لها الدوائر الضيقة لـ"تكتل التغيير والاصلاح" بقيادة الوزير المستقيل شربل نحاس على حكومة الرئيس سعد الحريري التي كانت في خضم مناقشة مشروع الموازنة ذلك العام بعدما كانت الوزيرة السابقة ريا الحسن استرجعت المشروع المعد من الوزير الاسبق محمد شطح. ودعا رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون وزراءه في تلك الحكومة إلى الاستقالة إذا تبين أن إنفاق وزاراتهم سيكون على القاعدة عينها التي أنفق على أساسها السنيورة. لكن ما حصل أن مشروع الموازنة حوّل الى لجنة المال والموازنة لدرسه بينما شكلت لجنة وزارية برئاسة الرئيس سعد الحريري لدرس الحسابات العائدة للاعوام 2006 و2007 و2008 كمخرج لمأزق ما اعتبر في حمأة السجال "مخالفة دستورية". لكن اللجنة لم تجتمع ولو مرة واحدة واستعيض عنها بتكليف وزيرة المال تحضير كشف بحسابات الاعوام المشار اليها لتحول على مجلس النواب، على ان يصار الى درسها واقرارها قبيل الشروع في درس موازنة 2010. ووزراء عون لم يستقيلوا بل استفاضوا في طلب اعتمادات لموازناتهم ولا سيما في مجال المياه والسدود والكهرباء ودائما من خارج القاعدة الاثني عشرية وانما تحت سقف التوافق في حكومة الوحدة. فانتفت المخالفة الدستورية وانتهى السجال بسحر ساحر، ومعه زوبعة الانفاق الاضافي بعدما بينت الحسابات ان الجميع شركاء في ذلك الانفاق.
لكن الزوبعة عادت أخيراً من باب حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي تقدمت بمشروع قانون تطلب فيه اعتمادا استثنائيا بقيمة 8900 مليار ليرة لتغطية الانفاق الاضافي المستجد من خارج القاعدة الاثني عشرية.
وكان الانفاق الاضافي من خارج تلك القاعدة 11 مليار دولار عندما أثار بري زوبعته، بلغ اليوم بعد أقل من عامين 22 مليارا. ذلك أن حكومة الوحدة الوطنية التي ضمت كل القوى السياسية أنفقت من خارج القاعدة 5 مليارات دولار ثم جاءت حكومة الرئيس ميقاتي التي انفقت في أقل من عام 6 مليارات دولار ما يجعل مجموع الانفاق من خارج الاثني عشرية 22 مليار دولار.
لا شك أن إثارة المسائل الشائكة لا تكفي إذا لم تهدف إلى معالجتها. وإبقاء الانفاق متفلتا من الضوابط القانونية وتسيير الدولة من دون موازنات للسنة الثامنة مسؤولية تشترك فيها كل القوى السياسية المكونة للسلطتين التنفيذية والتشريعية، مما يعني أنه لا يمكن لفريق أن يتنصل من تلك المسؤولية أو أن يرمي بها الى فريق آخر كما هو حاصل اليوم من خلال الحملة المركزة التي يشنها عون ويرفض من خلالها تسوية مسألة الانفاق برزمة واحدة لا تقتصر على 2011 بل تشمل الانفاق منذ العام 2006 كي يصبح ممكنا الشروع في اقرار موازنة لسنة 2012.
وتعزو مصادر نيابية فشل التسوية في جمع إنفاق حكومة ميقاتي مع إنفاق حكومتي السنيورة وترحيل الموضوع الى لجنة وزارية نيابية، إلى تشابك مصالح وحسابات مختلفة.
فللسنيورة أكثر من خصومة في الوسط السياسي أحدها مع الرئيس نبيه بري (رغم استمرار الاتصال بين الرجلين). فرئيس المجلس الذي أطلق الهجوم على الـ11 ملياراً رغم مرجعيته التشريعية والرقابية المؤهلة دون غيرها معالجة المسألة، يرفض أن يعطي الرئيس الاسبق للحكومة الشرعية التي نزعها عن حكومته منذ إستقالة الوزراء الشيعة منها بما في ذلك شرعية مشاريع القوانين الـ64 العالقة إلى جانب مشاريع الموازنات والمصنفة بـ"الهجينة".
اما النائب عون فإنه يتمسك بمسألة الانفاق تلك رغم مشاركته الكاملة فيها لاستعمالها ورقة ابتزاز وإدانة للحقبة السنيورية المستكملة للحقبة الحريرية والتي يخوض على اساسها حملته الانتخابية المقبلة. علما أن ثمة في فريق "المستقبل" من يستعد للعب بأوراق عون عينها لجهة النبش في الدفاتر القديمة وصولا الى عامي 1988 و1989 حين تولى رئيس تكتل التغيير والاصلاح رئاسة الحكومة فلم تقر اي موازنة.
اما رئيس الحكومة نجيب ميقاتي فجل ما يريده من مشروع الـ8900 مليار ليرة أن يؤمن الغطاء القانوني لإنفاق حكومته بما يتيح زيادة الصرف على أساس القاعدة الاثني عشرية الى 18900 مليار ليرة ( 10الاف من موازنة 2005 و8900 من القانون الاستثنائي) إذا ما عجزت الحكومة عن اقرار موازنة 2012 في سنة انتخابية تكثر فيها طلبات الانفاق وتتراجع الرغبة في تغطيته بضرائب جديدة تزعج الناخبين!