#dfp #adsense

عون عن نحّاس: طائرة أسقطناها قبل أن نسقط معها

حجم الخط

بعدما بدا في الساعات الأولى لاستقالة الوزير شربل نحاس أنّ شبحه لاحق العماد ميشال عون مؤنّباً الانقلاب على المبادئ، وبعدما سكن هذا الشبح مناصري «التيار الوطني» الذين لاحظوا كم كان قبول الاستقالة مجحفاً بحقّ الصورة التي رسمها العماد عون لنفسه، وهي صورة الرجل الذي لا يُساوِم على مبدأ وحقّ، بدأ عون بشنّ هجوم معاكِس على شبح نحاس لمحاولة طرده من أذهان المناصرين
 
وهذا الهجوم ظهر على شكل كلام وديّ وتبريريّ قاله الجنرال بحقّ نحاس أمام الكاميرات، وعلى شكل استهداف شخصيّ للوزير المستقيل في الاجتماعات الضيّقة لكوادر التيار، بهدف إظهار نفسه بصفة الضحيّة بدلاً من الجاني.

ولقد استغرب البعض من هؤلاء الكوادر هذه الازدواجيّة في التعاطي مع الاستقالة ومع الرجل الذي كان حتى الأيام العشرة الأخيرة رقماً صعباً داخل الحكومة، ممنوعة استقالته أو إقالته ومرتبطٌ وجوده فيها بوجود رئيسها.

البعض الذي استمع للجنرال بالأمس في الرابية من كوادر ومنسقين يتكلم عن نحاس صُدِم، أما البعض الآخر فلم يُفاجأ لأنه تعايش طويلاً مع سلوك نكران الأصدقاء، وقطع الحبل بهم وسط البئر، لكن الجميع ذُهلوا بحقيقة أن العلاقة بين عون ونحاس لم تكن خلافاً لحميميّتها الظاهرة إلّا قناعاً للكثير من القُطب المخفية، بحيث بدا أن الجنرال أراد إنهاء صعود الوزير الملك في التكتل قبل أن تتطور إلى ما يُمكن أن يُهدد الوريث الملك وإلّا، فما معنى أن يقول عون عن نحاس أمام عشرات المنسقين: "أتينا به بعد أنّ نفضنا الغبار عنه وهو لا شكّ (رجل متعلم)، لكنه صار بدو يشوف حالو علينا ويأخذنا إلى حيث يريد بدلاً من أن نأخذه إلى حيث نريد".

وما معنى أن يضيف: "نحاس يُشبه طائرة أسقطناها لأننا لم نُرد أن نسقط معها، فتحطمت لوحدها ونجا الرُكاب"، وما معنى أن يقول: "هذا الرجل طعننا"؟

المعنى الوحيد على ما يبدو لكلام عون هو أن نحاس بإصراره المتطرف على عدم المساومة على تحقيق العدالة الاجتماعية، شكلّ عائقاً أمام الجنرال الذي أراده أن يكون سقفاً مرتفعاً للتفاوض لتحسين شروط صفقة متكاملة مع الشركاء داخل الحكومة وليس الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف، والدليل على ذلك أن الجنرال استثمر عناد نحاس وأوصله إلى حافة الهاوية قبل أن يدعه يسقط فيها لوحده، بما يُشبِه الفخّ المنصوب مسبقاً، خصوصاً حين شجّعه على عدم التوقيع على مرسوم النقل رابطاً مصيره بمصير الحكومة، ليقوم قبل أربعة أيام من الاستقالة بتركيب صفقة متكاملة مع الرئيس نبيه بري يطمح من خلالها لنيل حصة وازنة في ملف التعيينات وفي ملف الكهرباء وفي دفن ملف المازوت الأحمر وفي غيرها من المكاسب الدسمة التي يصعب أن تُقارن بنظر الجنرال "المبدئي" بالتمسّك بوزير "مزعج" كنحاس، بات وجوده داخل التكتل تحدياً للأقربين قبل الأبعدين.

ويبقى السؤال: ماذا سيكون تأثير إقالة نحاس على العماد عون وعلى جمهوره الذي انتفض مَلثوعاً من هذه الجرعة الزائدة من المبدئية، (المساومة على رأس نحاس)؟

الأرجح أن الكلام الذي بدأ يقوله عون لكوادره بحقّ نحاس، أراد منه قطع الطريق على جمهوره الذي حوّل "الوزير المُقال" إلى "أيقونة إصلاح وتغيير"، وذلك عبر استعمال أسلوب التشويه الذي يهدف من خلاله إلى إفهام مناصريه بأن نحاس ليس أفضل من الذين خرجوا سابقاً من كنف التيار، وأنه مجرد "وزير مغامر" كاد أن يُهدد المصالح العليا للتيار.

لكن ما تناساه الجنرال أنه ساهم شخصياً بصنع الأيقونة التي يجهد اليوم لتشويهها، وما تناساه أيضاً أن جمهوره لم ينسَ بعد كلامه "الطازج" الداعم لنحاس الذي سبق الصفقة المتكاملة مع الرئيس نبيه بري.

ولأنّ هؤلاء الكوادر لم ينسوا، وبالتالي لم يتقبلوا تشويه الجنرال لصورة نحاس، فإنّ البعض منهم واجه "ساكن الرابية" واتهمه بأنه وصهره يسلكان في التعامل مع التيار سلوك العصابة، وهو كلامٌ قيل بالأمس لأولِ مرة بوجه الجنرال على مسمع عشرات المنسقين والمسؤولين.

وصحيحٌ أن من قالوا هذا الكلام طردوا من الرابية في الاجتماع الصاخب، لكنّ الصحيح أيضاً أن الصدع في جسم التيار الذي أحدثته المساومة على رأس نحاس لن يكون سهلاً رأبه، في ظلّ تنامي حركة الاعتراض على التفردّ والشخصنة، هذا الاعتراض الذي يهدف إلى إعادة الاعتبار للتيار الوطني كمؤسسةٍ من الصعب أنها لو كانت موجودة أن يمرّ فيها حدثٌ كاستقالة نحاس مرور الكرام. 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل