قد يكون حكم "البعث السوري" للبنان ما بعد العام 1990، أي زمن السلم بعد سنوات مديدة من الحرب، هو المفصل الأساسي في الحياة السياسية اللبنانية قبل خروجه العسكري عام 2005. أما كيفية الحكم، فهي قامت أساساً على عنصر تخويف الطوائف من بعضها البعض، للقول إن مرجع الجميع في دمشق، وهي الوحيدة القادرة على طمأنة هؤلاء المهجوسين والخائفين من الآخر.
وبالطبع، فإن سياسة "البعث" قامت بصلبها على تخويف المسيحيين من المسلمين، بالتالي، جعل القيادات المسيحية من قبيل الخوف على الوجود، مرتبطة عضوياً بالقيادة السورية، التي تطمئنها إلى مستقبل وجودها هذا، وتعطيها بـ"المفرّق" كي تقبض منها بالجملة. الأمثلة على تلك السياسة كثيرة، لا تبدأ ببسط اليد على قيادة الجيش آنذاك، ولا تنتهي على أسوار القصر الجمهوري، وبين اليرزة وبعبدا، آلاف المواقع المؤثرة والمتأثرة بالهاجس الوجودي.
يروي أحد السياسيين البارزين على الساحة المسيحية أن "الرئيس حافظ الأسد، عرف كيف يستغلّ نقطة الضعف عند مسيحيي لبنان بعد اتفاق الطائف، فهو مهّد للقبض على الطائفة من خلال نفي قائد الجيش آنذاك ميشال عون، ومن ثمّ، وكي يستتبّ له الأمر، زجّ بقائد القوات اللبنانية سمير جعجع في السجن. فخلت له الساحة، كون ما تبقى من قيادات هي أقل تأثيراً، وفي مجملها لا مانع لديها من احتلال سلطة عن طريق سوريا، أي مستعدة للانغماس في لعبة المصالح المتبادلة".
يقول السياسي: منذ ما بعد الطائف، بدأ السوري سياسة ممنهجة مع المسيحيين كما مع المسلمين، ففرض سيطرته على كل المواقع، وتحديداً الأمنية. عند المسيحيين، أخذ منهم موقع المدير العام للأمن العام وأمن المطار، والأخطر من ذلك أنّه حوّر مواقع الفئة الثالثة بشكل مخيف، فجعل من المسيحيين غير الموالين موظفين في مديريات هامشية لا تأثير لها. ثمّ عزّز سيطرته بإقصاء المسيحيين عن وزارة الخارجية، وإعادتهم إليها من بوابة من ينتهج سياسته بحذافيرها. فضلاً عن ربط رئاسة الجمهورية بقرار دمشق، ثمّ استغلال قيادة الجيش التي وضعت نفسها عبر إميل لحود في الحضن السوري تماماً، لكي يُنشئوا سلطة جديدة مستقلّة عن السلطة السياسية ولا تخضع بالعمق لقرار قد يأتي ولا يناسب البعث".
يضيف: "سليمان فرنجية كان من أكثر السياسيين التصاقاً بالنظام السوري. أصبح لديه كتلة نيابية وازنة، فتحوّل من منظار سوري إلى رمز مسيحي أساسي، وعليه، قالوا إنهم يُعطون الطائفة الكثير. ثم على هامش صعود فرنجية، فرّخوا زعامات مناطقية في المتن والبقاع والشمال وجبل لبنان. تقصّدوا أن تكون هذه الوجوه منتمية إلى منطقة معيّنة ولها طموح زعامة منطقة ليس أكثر، وهذا الأمر أتى لتعزيز الحضور السوري في موازاة عدم السماح لهؤلاء النصف زعامات أن يتخطوا بسياستهم الحدود المرسومة لهم".
أمّا من بقوا على ولائهم لجعجع أو لعون، فقد عرف السوري كيف يتعامل معهم، وعرفت الأجهزة الأمنية كيف تلاحقهم من "زنغة" إلى "زنغة". يقول أحد الذين استُهدفوا في تلك الفترة، "في مرّة من المرّات وصلت المخابرات إلى منزل فوزي الراسي وهو كان قواتياً أيام الحرب. اعتقلوه واقتادوه إلى وزارة الدفاع، وصل إليها وهو مفارق للحياة. هذا التذكير بحسب القواتي، هو من قبيل التذكير لمن نسي أو تناسى، كيف تعاطت سلطة الوصاية مع كل من يخالفها الرأي وتحديداً على الساحة المسيحية".
إذاً، استطاع "البعث" بشقيه السوري الأصلي واللبناني "المستزلم" أن يُخضع الطائفة عبر احتكار كل مراكز قرارها داخل الدولة وخارجها. وصل الأمر إلى أن بعض المسيحيين ممّن أعطي الكثير في تلك الحقبة، أن يزايد على السوريين بانتمائه وتمسّكه بنهجهم. يقول السياسي، ويضيف: "الاتفاق الثلاثي عام 1986 الذي أبرمته الميليشيات المتقاتلة آنذاك برعايةٍ سورية مباشرة، نظر الى لبنان من منظار الطوائف المتقاتلة والأحزاب المتناحرة، وأن نهاية الاقتتال في لبنان يجب أن تُفضي الى انتقال اللبنانيين من حالة فيديرالية متقاتلة الى حالة فيديرالية متهادنة تؤمّن العيش جنباً الى جنب لطوائف مسيحية وسنية ودرزية وشيعية. وفي حال نشوء خلاف لسببٍ ما، يعود الى الراعي السوري تأمين المصالحة والتفاهم في انتظار خلافٍ آخر ووساطة سورية أخرى".
هذه المعادلة، تقول بأن "لا ملجأ للجميع كون هذا الجميع خائف من بعضه البعض، إلا بالعودة إلى السوري ليُطمئنه". يقول السياسي: "إذا سلّمنا بهذه النظرة الفيديرالية نكون ساهمنا في ترسيخ فكرة المثالثة بدلاً من المناصفة في التوازنات الداخلية وأفسحنا المجال أمام اتفاق أي ثلثين من ثلاثة لإخراج الثلث الثالث من المعادلة، وهذا واردٌ في أي لحظة وأي ظرف وطني أو إقليمي أو حتى دولي".
حصيلة هذا التسلسل، تفيد أن السوري رهن المسيحيين، ولكن ماذا عن بكركي؟
يجيب السياسي: "الكنيسة المسيحية على مرّ التاريخ، وضعت نفسها في مكان محايد عن سلطة الدولة، بمعنى أنها أوجدت لنفسها كياناً مستقلاً بعكس المؤسسات الدينيّة الأخرى، فلا وجود لكاهن موظف لدى الدولة، بل يتبع مباشرة إلى الكنيسة، وهذه الكنيسة تتعامل مع الدولة باستقلالية تامة. وهذا ما أعطى لهذه الكنيسة على مرّ التاريخ، هذا التمايز عن باقي المؤسسات الدينية".
هذا في المبدأ الكنسي، أمّا في النهج، فيقول السياسي: في زمن الوصاية، كان البطريرك نصرالله صفير هو رأس الكنيسة. وهو عايش لبنان في الاستقلال الأوّل ومن ثم عام 1958 وفي الحرب. ولديه قناعة ثابتة، بأن لا مجال لتقدّم البلد من الجوانب كافة إلا بوحدة إسلامية – مسيحية تتلازم مع المطالبة بسيادة لبنان واستقلاله، وهذا الإيمان الراسخ لديه، شكّل عائقاً أمام السوري في التمدد إلى أسوار الصرح".
نجح السوري في فرض سلطته. لم يستطع مع بكركي. عاد البطريرك صفير والكنيسة ليردا عليه في العام 2000 من خلال نداء المطارنة. كرّس الأوّل نظريته بتلازم مسارات السيادة والاستقلال مع الوحدة مع المسلمين. كان لقاء قرنة شهوان. انضم النائب وليد جنبلاط علناً والرئيس الشهيد رفيق الحريري بشكل غير معلن. بدأت معركة إخراج السوري. طبقّت الكنيسة قناعاتها، لتقضي على قناعات لبنانيين "تسورنوا" وسوريين حاولوا "سورنة" المسيحيين، بل كل اللبنانيين.