منذ إطلالة الرئيس السوري الأخيرة سارع المحللون النفسيون لنبش قراءات الوضع النفسي المسيطر على حالته كرئيس يتهاوى حكمه وهو في حالة تجاهل دائم لهذا الواقع، فانتهوا إلى خلاصة تقول إنه «منفصل عن الواقع»، وهو نفس تشخيص حالة معمّر القذافي في أيامه الأخيرة قبل أن «يخوزقه» شعبه ثم ينفذ فيه حكماً عادلاً بقتله، الإطلالة الاستفتائية للرئيس السوري بالأمس تؤكّد أنه «منفصل عن الواقع»، إلا أنها تكشف أيضاً أنه «متصّل» بالفضاء أو منفصل عنه أيضاً!!
الرجل؛ لا يُتابع إلا إعلامه، ولا يصدّق إلا روايات إعلامه، وإعلامه لا يبثّ إلا ما يريد رئيسه أن يراه، فقتلاه من أطفال سوريا ونسائها إرهابيون، حتى «الخُدّج» الذين قتلوا في الحاضنات مشاريع إرهابيين، والحرب تدور في عقل الرئيس بين إعلامه الأرضي وإعلام الفضاء، وعلى رغم أننا قيل لنا قبل أيام أن الرئيس شوهد وهو يتناول العشاء في أحد مطاعم دمشق وهو منشغل في استعمال جهاز الـ I PAD خاصته، الأمر الذي يدفع للتساؤل: ما الذي كان يتابعه إذن عبر هذا الجهاز، وما حاجته إلى دخول عصر التكنولوجيا ما دام «الفضاء» متآمر عليه؟!
هذه حالة غير مسبوقة شاهدنا فيه واحداً من الرؤساء العرب «المقبوعين» من جذور عائلاتهم عن كراسيهم، من الهارب، إلى النائم، إلى المحروق المتنحي، إلى المخوزق المقتول، كلّهم عندهم «جنون عظمة» و»لسحة» نازية هتلرية، و»نفضة عرق» ستالينيّة، إلا أنّ أحداً لم يسبق الرئيس السوري في بلوغ حروب الأرض والفضاء، كأنه يعيش في «جالاكسي» مختلفة، ويُراقب من داخل مركبته الفضائية المتوهمة، حرب النجوم التي أسفرت عن انهيار الاتحاد السوفياتي، مع أن العرب لم يدركوا من هذه الحرب سوى أفلامها الهوليودية وخيالها العلمي!!
من استمع بالأمس إلى الرئيس السوري بشار الأسد يؤكّد بنبرة ادّعائية استعلائيّة «أن نظامه يحكم السيطرة على الأرض تماماً ـ فيما هو يقصف حياً واحداً منذ أسابيع ثلاثة فأباده ومع هذا فشل في التقدم شبر واحدٍ على الأرض التي يُوهمه إعلامه أنّه يسيط عليها بالكامل ـ بينما يفتقد [النظام] السيطرة على الفضاء.. يمكن أن يكونوا أقوى في الفضاء لكننا أقوى على الأرض من الفضاء ومع ذلك نريد أن نربح الأرض والفضاء»!!
هو تصريح مأساوي لحالة مرضية انفصالية مأساوية خطيرة على الشعب السوري، يعيشها رئيس في آخر أيامه لا يُصغي إلا إلى إعلامه الذي امتهن الكذب مسبحاً بحمد الرئيس هاتفاً له بالروح بالدم، وهذا الإعلام صنعته آلة الرئيس بنفسها لتكذب به على الآخرين، فإذا بصانعها أول ضحايا كذبها المتواصل الذي يحجب عنه رؤية ما ينتظره في مقبل نهايته، لأنّ كلّ الدلائل والشواهد التاريخية القريبة منذ العام الماضي والبعيدة أيضاً منذ تشاوشيسكو مثلاً تؤكّد أن الشعب ينتصر والديكتاتور يسقط تحت أقدام شعبه، كنّا نظنّ أن الرجل «منفصل» فاكتشفنا أنه «منفصل» في الفضاء أيضاً، يبدو أنه استعان بصديق ينقذه من تساؤله:»من سيربح الفضاء»!!