#dfp #adsense

كيف حكم “البعث” سوريا ولبنان؟… الاغتيال بقرار رئاسي… المهنة الأساسية للعائلة الأسديّة

حجم الخط

كتب وسام سعادة في صحيفة "المستقبل":

في صبيحة الإثنين 21 حزيران 1980 اغتيل صلاح الدين البيطار، أحد المؤسّسين التاريخيين لـ"البعث" في باريس، على باب صحيفته "الإحياء العربي"، التي لم يغفر لها الرئيس حافظ الأسد أنّها تحمل الاسم الأوّل لما سيُعرَف لاحقاً بـ"البعث"، وأنّها تنكر عليه بعثيّته وقوميّته العربية، وأنّها تفضح الطابع الفئويّ والإجراميّ لنظامه. مثلما لم يغفر للبيطار، بما يمثله من ثقل رمزيّ، حيث أنّه بالإضافة إلى كونه المؤسّس التاريخيّ الثاني إلى جانب ميشال عفلق، تميّز بأنّه ابن عائلة دمشقية برجوازية سنيّة عريقة، وكان على رأس حكومات متتالية بين العامين 1963 و1966، أي قبل أن يأخذ "البعث" وبشكل نهائيّ الطابع الفئويّ الشموليّ الذي لا رجعة فيه. علماً أنّها كانت الفترة نفسها التي مهّدت للكارثة، من خلال تفكيك بنية الجيش السوريّ وصولاً إلى "حلّه" واستبداله بجيش "عقائديّ" لا تحترم فيه تقاليد الجيوش النظاميّة، ويرفّع الإنقلابيّون رتبهم فيه على هواهم، بقوّة العسف والبطش، وهو في الحقيقة جيش فئويّ، استفاد في مرحلة أولى من التناقضات التي كانت تعتمل في المؤسسة العسكرية بعد التجارب المريرة للديكتاتوريّات العسكرية (1949-1954، أي مرحلة حسني الزعيم، وسامي الحناوي، وأديب الشيشكلي) ثم الديموقراطيّة البرلمانية غير المستقرّة (1954-1958) ثم الوحدة "التمصيريّة" مع جمال عبدالناصر وصولاً إلى حكم الانفصال (1961-1963). وكانت نتيجة هذه التناقضات، تمكّن الضباط البعثيين من فرض إرادتهم على البعثيين المدنيين من جهة، وعلى العسكريين من غير البعثيين من جهة ثانية، أي بمعنى آخر تمكّن خمسة إلى ثمانية ضبّاط من فرض إرادتهم على الأقليّة البعثية الضحلة في المجتمع السوريّ آنذاك (بضع مئات)، ثم فرض هؤلاء إرادتهم على نصف القرن الآتي من عمر السوريين، وكذلك اللبنانيين والفلسطينيين.

إذاً، في صبيحة 21 حزيران 1980، كان "حزب البعث العربي الاشتراكي" بقيادة "الرفيق المناضل" حافظ الأسد، يقتل ثاني مؤسّسي الحزب صلاح الدين البيطار، في باريس، بعد سنوات من فشل الجهود التي بذلها الأسد لإقناع البيطار بتأمين تغطية رمزية عقائدية لنظامه، بما يمثّله البيطار سواء على صعيد التاريخ الحزبي، أو على صعيد الانتماء المناطقيّ والمذهبيّ، أو على صعيد التاريخ الوطنيّ السوريّ، وذلك في مقابل تلطّيّ النظام البعثيّ العراقيّ بمرجعيّة ميشيل عفلق، التي لم يكن لها تلك الصفات التي اجتمعت في البيطار.

والبيطار، مولود عام 1912 في حي الميدان بالعاصمة السوريّة، حفيد الشيخ سليم البيطار الفرضي. وقد شارك عفلق عام 1939 في تأسيس منظمة "الإحياء العربي"، التي ستتخذ لاحقاً اسم "البعث العربي" قبل أن تتحد مع جماعة أكرم حوراني في بداية الخمسينات لتأسيس "حزب البعث العربي الاشتراكيّ". إلا أنّ تاريخ البعث، كما أعاد حافظ الأسد وعائلته كتابته سوف ينحّي كلّ هذه الأسماء، لصالح "فرض" مؤسّس من نوع آخر، هو زكي الأرسوزي العلويّ من لواء الإسكندرون.

وعندما قامت الوحدة مع جمال عبدالناصر، عُيّن البيطار نائباً لرئيس "الجمهورية العربية المتحدة"، ليستقيل من منصبه لاحقاً في كانون الأوّل 1959 احتجاجاً، ويوقّع على وثيقة الانفصام عام 1961، إنما ليتراجع بعد ذلك، وليسبّب نقمة دفينة في نفوس المنتظمين ضمن "اللجنة العسكرية السريّة"، أي أساساً، الثلاثي محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد.

"الحكم الأقلوي" واستغلال التناقضات

ومع ذلك تولّى البيطار رئاسة الوزراء أربع مرّات بعد أنّ نفّذت هذه اللجنة مرادها بالاستيلاء الانقلابيّ على السلطة، إلى أن كان انقلاب 23 شباط 1966 على أمين الحافظ، وهو الانقلاب الذي أرسى بوضوح "الحكم الأقلويّ"، فتمكّن البيطار من الفرار إلى لبنان، وصدر حكم غيابي بإعدامه عام 1969.

وفي السبعينات، سيحاول حافظ الأسد استغلال التناقضات بين البيطار وعفلق، فيستدعي على هذا الأساس صلاح الدين البيطار إلى خمس ساعات من المحادثات، يوم 25 أيار 1978، يسجّلها البيطار في مقالة له بعنوان "سورية مريضة مريضة وتعيش محنة ومأساة".

ويصل البيطار في سرده للمحادثات إلى لحظة التطرّق إلى الوضع الداخلي في سوريا، فيقول "حدثته عن أعباء سوريا القومية، وأن هذه الأعباء لا تستطيع سوريا أن تتحملها إلا إذا جرى داخلياً خلق مناخ ديموقراطي وانفتاح سياسي على الشعب"، فأجاب الأسد: "لسنا كإنكلترا ولا كالكونغو، والديموقراطية تحتاج الى مستوى ثقافي معيّن". قلت هذا صحيح، ولكن كيف نبلغ هذا المستوى الثقافي إذا لم تكن هناك حرية فكر وإبداء رأي وحريّة صحافة ومعارضة ديموقراطية. قال الأسد: هل تقرأ الصحف هنا؟ إنها تنتقد وتكتب بحرية لا تتمتع بها الصحف اللبنانية، صحيح أن هناك بعض القصور ولكن يمكن تفاديه. أجبت: قليلاً ما أقرأها، ولكن الموضوع الذي أطرحه هنا، يتعلق بمبادئ وباتجاه، فأنا انطلق من أن جانباً واحداً لا يملك الحقيقة حتى يفرضها على الجميع، وهناك حقيقة في سوريا وهي أن فيها تيارات فكرية وسياسية واجتماعية لا يجوز إغفالها. فالرأي الواحد، والحزب الواحد، وحكم الفرد، لا يمثل الواقع في شيء. بل هناك تيارات في هذا الواقع تريد أن تبرز لحيز الوجود عبر تنظيمات سياسية مستقلة وصحافة حرة، ومعارضة ديموقراطية لها شرعيتها".

وحاول البيطار الاستدلال على موقفه بما عرفته سوريا من فترة حريّات برلمانية وصحافية وجيزة في الخمسينات، فردّ عليه الأسد "إن سوريا بالعكس، كانت منقسمة، وفي حالة صراع مع الدول العربية والأجنبية، واليوم لأول مرة قضينا على هذه الصراعات وحققنا الوحدة الوطنية". ومضى الأسد ليزعم أن ما هو قائم في سوريا في ظل حكمه هو الديموقراطية، "فهناك الحزب الذي يعد 550 ألف عضو، كل عضو منهم يقضي سنتين كنصير، وهناك الى جانبه المنظمات الشعبية والجبهة الوطنية ومجالس المحافظات".

يقول البيطار "لقد أحسست بعقم الاسترسال في طرح النقطة الأساسية التي أردت أن تكون محور البحث في هذا اللقاء، أي محاولة النظام إجراء انفتاح شعبي صادر عن قناعة تامة بخطورة الظروف، وضرورة خلق مناخ ديموقراطي كمرحلة انتقالية يجري خلالها التحول بصورة سلمية من الحكم البوليسي العسكري الى حكم شعبي ديموقراطي". كما يخلص الى أنه "منذ ذلك الوقت قدّرت أن سوريا سائرة الى أزمة نظام، لن تحل إلا بالعنف ما دام النظام لم يرد حل الخلاف بينه وبين الشعب بصورة سلمية".

كانت كلمات البيطار هذه استشرافية للغاية، لما سيحدث لاحقاً في شباط 1982، في مجازر حماه الرهيبة، ثم مع الجرائم ضدّ الإنسانية التي تنفّذها كتائب النظام ضدّ الشعب الثائر منذ 15 آذار 2011 وإلى اليوم بوتيرة لا تلين، بل تتصاعد، سواء من جهة الخروج على الطغاة، أو من جهة الدم الذي يسفكه الطغاة.

مسلسل الاغتيالات… المتوارثة

وفي المقابل، لم تكن كذلك كلمات ميشيل عفلق، في الحفل التأبيني الذي أقيم بعد اغتيال البيطار، وحيث توقّع أن يولّد اغتياله بداية "تاريخ جديد بالنسبة الى نضال الشعب في القطر السوري وبالنسبة الى موقف الرأي العام العربي والعالمي من قضية سوريا ونكبة شعبها بحكامها المتسلّطين".

فقد بدا اغتيال البيطار حلقة من سلسلة طويلة من الاغتيالات الأسدية، سيورثها الطاغية الأب لأبنائه لاحقاً.

فقبل البيطار، جرى اغتيال محمد عمران، أحد أفراد اللجنة العسكرية الانقلابية، التي كانت تضم حافظ الأسد وصلاح جديد، وكان وزيراً للدفاع عام 1963. وعلى الرغم من طائفيته الفصيحة، ودعوته إلى "تحالف فاطميّ" بين الأقليات في الجيش بوجه الأكثرية، إلا أنه كان معارضاً للتنكيل بأبناء حماه بالشكل الذي جرى عام 1964، وقد أبعد الى إسبانيا، ثم لم يغفر لأمين الحافظ استدعاءه منها، وأطيح بكل منهما في 23 شباط 1966، ليتم اعتقاله، ثم يفرج عنه ويقيم في طرابلس، إلى أن تمتد إليه أصابع الغدر الأسدية في 14 آذار 1972، حيث هو في طرابلس. وبعد البيطار، جرى اغتيال بنان الطنطاوي، ابنة الشيخ علي الطنطاوي وزوجة عصام العطار الذي كان مراقباً عاماً لجماعة الإخوان، وجرى ذلك في مدينة آخن في ألمانيا.

الاغتيال السياسيّ شكّل عموداً أساسيّاً من أعمدة استمرار النظام البعثيّ، بصيغته الأسديّة. لم يردعه في ذلك حاجز "جغرافي"، فمورس الاغتيال ضدّ معارضين سوريين سواء في لبنان أو في فرنسا أو في ألمانيا أو غيرها. كما لم يردعه في ذلك حاجز "ديبلوماسيّ"، حيث أنّ باريس عبّرت صراحة عن اتهامها للنظام السوريّ بحادثة اغتيال سفيرها لدى لبنان لوي ديلامار في 4 أيلول 1981. هذا، وقد أثيرت المسألة مجدّداً قبل سنوات، عندما دعا الرئيس الفرنسيّ نيكولا ساركوزي الرئيس بشّار الأسد لمشاركته في ذكرى الثورة الفرنسية، في 14 تموّز، تلك الثورة التي رفعت شعارات "الحرية، والإخاء، والمساواة".

والدافع إلى اغتيال ديلامار وقتها كان محاولة الأخير ترتيب عقد اجتماع بين رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ووزير الخارجية الفرنسية، بدون حضور ممثّل عن النظام السوريّ.

كل هذه المسيرة الدموية من الاغتيالات عرفها اللبنانيّون أكثر من سواهم طبعاً، سواء باغتيال المعلم كمال جنبلاط، أو الرئيس بشير الجميل، أو المفتي حسن خالد، أو الرئيس رفيق الحريري، وعشرات الأسماء الأخرى من المفكرين والمثقفين والصحافيين والمناضلين.

ويضاف الى كل ذلك ملف قائم بذاته، يتصل بالترجمة "العنفية" للتوتّر السوريّ الأردنيّ في الثمانينات.

هذه المسيرة الاغتيالية تستند إلى "فلسفة أسدية" كاملة، قوامها أنّ الاغتيال هو الحل الأبسط لأي "عقدة"، وأنّه رسالة رادعة، وأنّ لا عواقب حقيقية له، وأنّ الذاكرة تبقى في هذا المجال قصيرة، بحيث يمكن لأي تبدّل في التوازنات والمصالح أن يجعل أهل الضحية في مقلب آخر، وأن يجعل قضيّتهم محفوظة، أو مبتلعة، في الأرشيف البعثيّ الأسديّ. لكن الأمر الأساسيّ في لعبة الاغتيال الأسديّة، وهو ما يغفله كثيرون في تحليلاتهم، لكن تؤكّده شهادات كثيرة، هو أنّ قرار الاغتيال في النظام السوريّ هو "قرار سياديّ" بمعنى أنّ الرئيس هو الذي يصدره، بشكل مباشر، ولا لبس فيه، وليس فقط بشكل "إيعازي" أو "إيحائيّ". ليس هناك من قرار اغتيال يمكن أن يمرّر في سوريا إلا بقرار مباشر من الرئاسة. أكثر من ذلك، يمكن تعريف "رئيس الجمهورية" في النظام البعثيّ الأسديّ على أنّه صاحب القرار بالاغتيالات.

طبعاً، لم يعترف هذا النظام بأي من "الاغتيالات" في أي يوم، مع أنّ الأب والابن كانا يعترفان في أي مقابلة إعلامية بحصول "أخطاء"، لكنها بقيت أخطاء مبهمة، وأخطاء يشيرون دائماً إلى مكان غامض لها، لا نعرف في أي جهاز، ولا تحت أي أرض. في المقابل، كانت بعض هذه الاغتيالات تسمّى "انتحارات"، وحتى لو بخمس رصاصات من الخلف.

لماذا اغتيل محمد سليمان… العلوي؟

لكن يبقى اغتيال محمد سليمان في 2 آب 2008، المستشار الأمني للرئيس بشار الأسد (أبو حافظ)، هو أكثر الاغتيالات غموضاً. وسليمان من الطائفة العلوية أيضاً، ومن مواليد بلدة الدريكيش شرق طرطوس، والمسؤول عن برامج تحديثية عديدة للتسليح وشراء الأسلحة وتطويرها. كان تسلّم منصب مدير مكتب بشّار الأسد الخاص، ويدير غرفة العمليات الخاصة لبشّار، وكان المسؤول بعد وفاة حافظ الأسد عن تأمين الغطاء الأمنيّ لعملية التوريث. سادت تكهّنات، وراجت تحليلات كثيرة بصدد مقتله، منها ما يربط الأمر بعملية نوعية لـ"الموساد" الإسرائيليّ، ومنها ما يربطه بالحاجة إلى تنظيف أرشيف النظام في ما يتعلّق بجرائم ارتكبت في لبنان، ومنها ما يربطه بمتاهات البرنامج النووي السوريّ، أو بالتعاون العسكري والأمني السوريّ الإيرانيّ، خصوصاً وأنّ بشّار الأسد كان يقوم يومها بزيارة إلى طهران، ومنها ما يربطه بتناقضات بين "أجنحة السلطة"، لكن المعطى المغيّب في كل هذا، هو أنّ الذي جرت إزاحته يومها كان الرقم 2 داخله، الذي ينتمي إلى جميع الصفات المفترضة، حزبياً ومذهبياً وأمنياً، إلا صفة واحدة: وهو أنّه من خارج العائلة الأسديّة. وهذا المعطى يمكن أن يفسّر لاحقاً مساحة أساسية لا تزال ملتبسة تتعلّق بهذا الاغتيال، علماً أن اغتيال سليمان هو من الأسرار التي لا يمكن فكّ شيفرتها بشكل حقيقيّ قبل سقوط النظام البعثيّ، وقد يكون سقوط النظام حتمياً، إلا أنّ معرفة جرائم اغتياله، ودوافعها، والتقنيات التي استخدمت، والوسائل السياسية التي جرت التغطية بها، كلّ ذلك يحتاج إلى جهد واسع النطاق، ولعلّه لن يصيب إلا جزءاً يسيراً من هذا المسار الذي عمل على تأبيد حكم العائلة الأسديّة بواسطة الحرفة المثلى لهذه العائلة: الاغتيال السياسيّ.

للإطلاع على التحقيق في الصحيفة

الحلقة الأولى: أول الكابوس البعثي حلّ الجيش الوطني واستبداله بآخر عقائدي طائفي

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل