كتب وسام سعادة في صحيفة "المستقبل":
يتحيّر المرء تجاه الدعاية الترويجية للنظام البعثيّ، خصوصاً في هذه المرحلة، مرحلة احتضاره الدمويّ، التي تشكّل فضيحة أخلاقية كبرى للضمير العالميّ، وتظهر تعطّلاً مريعاً في آليات تطبيق القانون الدوليّ. ولئن كانت هناك إبادات جماعية تتجاوز أضعاف أضعاف ما تقترفه كتائب بشّار الأسد حاليّاً، فإنّ الجرائم الحالية تتميّز بأنّها الجرائم التي تتم بشكل متواصل لأطول فترة ممكنة على مسمع ومرأى من كوكب الأرض برمّته، بعد التطوّر الحاصل في ثورة الإتصالات والمعلومات.
أما سبب التحيّر، فهو أنّ أذناب هذا النظام، سواء في سوريا أو في لبنان، يروّجون له مرة بحجّة أنّه نظام علمانيّ مستهدَف من رجعيين وسلفيين، ومرّة بحجّة أنّه نظام أقليّات تريد الأكثرية المذهبية الغاءه، ومرة بأنّه نظام مقاوم ضدّ الإمبريالية الغربية.
وفي ما عنى مزعمه كنظام "مقاوم"، يتبيّن بمجرّد متابعة مسيرته، أنّه قام بضرب حركات المقاومة العلمانية أو التقدّمية سواء في لبنان أو في فلسطين، لمصلحة تزكية حركات مقاومة متشدّدة دينياً مثل "حزب الله" و"حماس" وحركة الجهاد الإسلاميّ. وتمثّل ذلك بشكل أساسي في التحريض البعثيّ الأسديّ، على مقولة ياسر عرفات حول "القرار الوطنيّ الفلسطينيّ المستقلّ"، ومحاربة أي تطوّر كيانيّ للذات الكفاحية الفلسطينيّة، وصولاً إلى التدخّل العسكريّ المباشر ضدّ المقاومة الفلسطينية، سواء في مشاركة الجيش السوريّ الواضحة في ضرب مخيم تلّ الزعتر، أو في الحرب التي خيضت ضد مرجعية أبو عمّار الفلسطينية بتزكية الانشقاقات بعد اجتياح بيروت وبعد عودة أبو عمّار الى لبنان من طريق طرابلس، أو بالإشراف السوريّ على حرب المخيّمات.
لكن الأكثر إثارة للدهشة، هي مناداة هذا النظام بحماية الأقليّات، وأنّه الوحيد الذي يمكنه أن يؤمّن وحدة وطنيّة بين هذه الأقليّات وبين الأكثريّة، فيمنع الأخيرة من التطرّف الدينيّ، ويمنع الأقليّات من الانفصال والانعزال ومن التحوّل إلى بؤر للمدّ الاستعماريّ الغربيّ أو لتدخّلات الدول المتربّصة شّراً بالأمّة العربية.
سبب الدهشة هنا نتبيّنه لو استفهمنا عن نسبة المسيحيين في سوريا مثلاً.
فقد أجرى الباحث الديموغرافي يوسف كرباج دراسة مرجعية حول النسب الديموغرافية السورية في منتصف التسعينات، وهي الدراسة الأهم التي يُحتكم اليها حتى الآن. واستند في دراسته لأرقام عام 1953، ولمعدّلات الزيادة المختلفة بحسب المناطق من يومها، لينتهي الى النسب التالية، في ما عنى التسعينات: 70% من السكان من السنة، 10.4% من العلويين، 2% دروز، 1% اسماعيليون، أما المسيحيون والذين كانت نسبتهم 13.1% في الخمسينات، فقد صارت نسبتهم في ظلّ الحكم البعثيّ، العلمانيّ، والأقلويّ، 5.4%، وهي نسبة يخفّضها الباحث سلام كواكبيّ في دراسة له عام 2006 إلى 4,7%.
وطبعاً، لا يحتاج المرء الى دراسات كثيرة، ليعرف أنّ السياسة التي اتبعتها سوريا، في عهد حافظ الأسد ثم نجله بشّار في لبنان، والتي خاضت معظم مواجهاتها العسكرية مع الميليشيات المسيحية، تسبّبت أيضاً في تناقص عددهم في لبنان.
وفي الداخل السوريّ، فإنّ السياسات "الاشتراكيّة" البعثيّة، وقمع الحريّات العامّة والخاصّة، وحرمان المسيحيين من حقوقهم الثقافية، وتصويرهم بمظهر أنّهم مهدّدون إذا ما سقط النظام، وأنّهم أوّل المهدّدين من النظام ما لم يعبّروا عن إسنادهم له، كلّ ذلك يفسّر تراجع هذه النسبة.
وهناك من يرغب في توسيع الدائرة، ويبحث عن مسؤولية السياسة الأمنية السوريّة في دعم مجموعات التطرّف والتكفير التي كانت تفتح لها الحدود للقتال في العراق، والتي لعبت أيضاً دوراً أساسيّاً في استهداف الوجود المسيحيّ في بلاد الرافدين أيضاً.
يكفي هذا لإظهار أنّ الطبيعة "الأقلويّة" للحكم الأسديّ لا تجعل منه "حكم أقليّات متشاركة في مواجهة الأكثريّة"، وإنّما حكم يقوّض الأقليّات الأخرى، مثلما يضطهد الأكثريّة.
أما على الصعيد السياسيّ، فهذه الأقليّات بعيدة كل البعد عن القرار. ففي ما يتعلّق بالدروز، فإن النادي المغلق للنظام أوصد الباب أمام ضبّاطهم، منذ محاولة سليم حاطوم الانقلابية الفاشلة، وجرى إبعادهم تماماً في هذا الشأن بين العامين 1966 و1970.
ولعلّ أكثر من فهم طبيعة هذا النظام من الناحية الطائفية هو أولاً الفرنسي ميشال سورا، ثم الهولندي نيقولاوس فان دام.
فالعالم الاجتماعي الفرنسي ميشال سورا، المغدور به عام 1986، فهم باكراً الكيفية التي يربط فيها هذا النظام بين شعاراته المختلفة، ليوجد شرعية زائفة. هذا النظام يتغنّى مثلاً بـ"الإصلاح الزراعيّ". لكن ذلك لا يعني أنّه يمثّل "صعوداً اجتماعياً للفلاحين" في المجتمع السوريّ، إنّما "صعوداً سياسيّاً لهم"، وبالإنابة، من خلال "صعود الضبّاط الريفيين"، أي من خلال إلغاء السياسة.
لقد بيّن سورا، أن النظام البعثيّ الفئويّ يستند على هذا النوع الملفّق من "الصراع الطبقيّ" مثلاً: بدلاً من خوضه في المجتمع، يجري خوضه داخل الأجهزة الأمنية، ثم تخوضه العصبية الغالبة ضمن الأجهزة الأمنية ضد المجتمع، تحت شعار الوحدة الوطنية. لكن هذه الوحدة الوطنية تستلزم إلغاء وحدة المجتمع في الوقت نفسه. وحدة النظام هي الوحدة الوطنية المطلوبة، وهذه تتأمن ببعثرة وحدة المجتمع!
فالعسكري البعثيّ الفئويّ يقول التالي: نحن نمثّل صعود الفلاحين في المجتمع السوريّ. إذاً، الصراع ضدّنا هو لإعادة المجتمع إلى خلف، إعادته إلى الإقطاع والرجعية. لكنه يقول أيضاً: نحن ضبّاط من أصل ريفيّ أو فلاحّي، وكل من يفكّر بإقصائنا عن مناصبنا يريد إرجاعنا إلى الريف والفلاحة، ولأجل ذلك لا بدّ من سفك الدماء، وبالتالي سفكنا للدماء هو من موقع وطنيّ، وتقدّمي، وقوميّ!
ذات يوم وقف حافظ الأسد أمام "اتحاد شبيبة الثورة" ليقول: "ما زلت أذكر أيّها الطلاب الأعزاء أني في المدينة التي كنت أدرس فيها سيّرنا تظاهرة كبيرة حين علمنا أن أحد الإقطاعيين الأوغاد قتل فلاحاً وهو يجرّب بندقية الصيد". هذا هو المنطق البعثيّ الفئويّ بتمامه. الأسلحة "الاشتراكية" ثم "الممانعة" التي جرّبها "الأب" ثم "الابن" لاضطهاد الشعوب السورية والفلسطينية واللبنانية لم تكن إلا للرّد على هذا "الإقطاعيّ الوغد".
وهذا يترافق مع الطبيعة "الأقلويّة" للنظام. لكنها لا تعني أبداً "تحالف أقليّات"، ففي هذا "فساد الطبخة". إنما تعني: التقسيم الفئوي للمجتمع السوريّ من ناحية، أي الحؤول دون التبادل الحقيقيّ، والمشاركة الحقيقية بين مجموعاته المختلفة، وجعلها تخاف بعضها بعضاً، ليس فقط على الصعيد المذهبيّ أو الإثنيّ، بل أيضاً، وبشكل أساسيّ على الصعيدين المناطقيّ والعشائريّ. تحكّم النظام الأقلويّ بالحسابات المناطقية كما بالحسابات العشائرية هو الذي مكّنه من البقاء مطوّلاً، رغم الانتفاضات العديدة للشعب السوريّ، سواء عام 1964، أو في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، أو في الثورة الوطنية الكبرى التي تعيشها سوريا الآن، والتي تشكّل ذروة الربيع العربيّ.
الهدف الأساسيّ من كل هذه السياسات "التفتيتية" هو إذن منع تحقّق النسيج الأكثريّ السوريّ في "جسم سياسيّ منظّم أو واعٍ"، وجعل حنق الأكثرية الشعبية على النظام سبباً من أسباب استمرار النظام، والخوف منه، وليس سبباً من أسباب تحلّله أو سقوطه.
أمّا الأقليّات فلا يخطب هذا النظام ودّها، إلا في "الملمّات". فهذه الأقليّات عليها أن تبقى خائفة، وخائفة أكثر من سواها.
عليها أن تخاف أوّلاً من العصبية الفئوية الغالبة.
وعليها أن تخاف ثانياً من تحقّق النسيج الأكثريّ للمجتمع السوريّ في جسم سياسيّ موحّد.
إذاً، اضطرار النظام البعثيّ في لحظة تخلّعه واحتضاره الدمويّ اليوم إلى الاستعانة بـ"تحالف الأقليّات" يأتي ليكشف طبيعته لا كنظام مبني على هكذا تحالف، بل كنظام أقلويّ، يمارس اضطهاده على الأكثرية كما على الأقليّات الأخرى، ويتفرّد حتى ضمن الأقليّة المهيمنة بإيثار نظام له طابع عائليّ، أكثر منه طابعاً مذهبيّاً، وضمن العائلة نفسها، نظام له طابع فرديّ أكثر منه طابعاً عائليّاً.
هذا النظام شبيه إذاً بالدمية الروسيّة التي تخفي دمية صغرى فأصغر منها وهكذا. هو أولاً نظام شموليّ، لحزب يقود المجتمع والدولة على رأس جبهة من الأحزاب التي يحلم كل منها بالشمولية على طريقته (حزبان شيوعيّان ستالينيان في هذه الجبهة، وحزب شيوعيّ ستالينيّ ثالث موكل تمثيل المعارضة الوطنية "الشريفة" من خارج الجبهة!!). لكن هذه الدمية تخفي دمية أخرى وهو أنّه نظام عسكريّ. البعث "العسكريّ" ألغى تماماً البعث "المدنيّ" منذ انقلاب 1963، وبشكل تام منذ 1966. ثم تأتي هذه الدميّة لتخفي دمية أخرى، وهو أنّه نظام غير قائم على تحكيم الجيش بمصائر الناس، بل على حلّ الجيش. إلغاء الجيش النظاميّ، واستبداله بعصبية مسلّحة على رأس جيش "عقائديّ". وهذه أيضاً دمية تغلّف دمية أخرى: أي أنّه نظام طائفيّ، أقلويّ. وهنا أيضاً دمية أخرى: ليست كل الأقليّات مشاركة في هذه الطبيعة الأقلويّة للنظام، بل أقلية واحدة، هي الطائفة العلويّة. لكن، وبما أنّ النظام لا يعترف بطائفيته، بل يحظّر الحديث بالطائفية، فقد جاءت هذه الطائفية ذات طبيعة سريّة أو باطنيّة، وفي المقابل فرض على الطائفة العلويّة أن تبدّل من طقوسها وشعائرها، أي أن تلغي تمايزها الدينيّ بإزاء الأكثرية كي يكون من الممكن للعائلة الأسدية أن تحكم بأفضل وضع ممكن. ووراء هذه الدمية لا يطول الأمر حتى نكتشف أنّ هناك عشيرة واحدة تحكم وليس كل الطائفة العلويّة، ثم لا يطول الأمر حتى نكتشف أنّه نظام عائلتي الأسد ومخلوف، وفي النهاية تبرز الطبيعة الفردية لرأس النظام، وهذه الطبيعة الفردية، يجري تمييعها بتحليلات كثيرة حول الأجهزة، وصراعات الأجهزة، وما الى ذلك.
وفي كتابه "الصراع على السلطة في سوريا. الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة 1961 1995"، يستعرض الهولندي نيقولاوس فان دام، الذي عمل سفيراً لبلاده في مصر، كيف كان للأقليّات الثلاث، العلوية والدرزية والإسماعيلية، دور بارز في الصراعات داخل العسكر في الستينات، وكيف حُسِمَ هذا الصراع تدريجيّاً لمصلحة الاحتكار العلويّ للسلطة ثم لمصلحة الاستئثار الأسديّ، ويشير فان دام إلى أن التمييز ضد الضباط السنّة في الجيش كان تمييزاً واعياً، ومنهجياً، وبالأخص، في مرحلة الثنائيّ صلاح جديد وحافظ الأسد، أي ابتداء من سنة 1966، ثم في مرحلة استئثار حافظ الأسد ابتداء من حكم التصحيح.
وفي تحليل فان دام، أنّ الطائفية التي فشلت كانت تلك التي فضحت نفسها بشكل علني. وهذه حال محمد عمران. يقول فان دام إنه رغم "أن جديد والأسد، شأنهما شأن عمران، قد اعتمدا بصورة واسعة على أنصارهما الشخصيين من العسكريين العلويين للاحتفاظ بمراكز سلطتهما، ومن المحتمل أنهما استفادا من الولاءات الطائفية والإقليمية والعشائرية لتقوية مراكزهما، إلا أنهما تمتعا بقدر من الحكمة بحيث لم يعلنا عن ذلك صراحة مثلما فعل عمران".
فقد صرّح عمران "أن الفاطمية يجب أن تأخذ دورها" داعياً بصراحة الى تكتل مذهبي بين العلويين والدروز والإسماعيليين داخل الجيش، لكنه في الوقت نفسه، وربّما للسبب نفسه، أي الطائفية الصريحة أو البواحة، أي تنكيل واسع ضدّ السكّان على أساس طائفيّ. لكن هذا لم يؤّهل التعاون بينه وبين المجموعة العسكرية البعثية السنية بالجيش في الستينات والتي كان يقودها أمين الحافظ قبل إطاحة جديد والأسد به في 23 شباط 1966 من أن يكون تعاوناً ديناميكياً فعالاً، حيث يشير فان دام الى عنصر فقدان الثقة بشدّة بين عمران والحافظ، ما جعل "أي نوع من التعاون المثمر بينهما أمراً مستبعداً للغاية".
في المقابل، كان جديد والأسد بحاجة إلى التنكيل على أوسع مدى، بغية بثّ روح التفوّق لدى العصبية التي يؤسّسون لنظامها الفئويّ الشموليّ، ولأجل ذلك كان على طائفيتهم أن تكون باطنيّة. فإذا كان تصريح عمران يعادل "الطائفية العلنية يجب أن تأخذ دورها"، فإن فلسفة النظام الأسديّ تقوم على مبدأ أنّ "الأمر للطائفية الباطنيّة" التي من شروطها تحريم تسميتها كذلك، ورمي أخصامها في الوقت نفسه بأنّهم رجعيون وطائفيون.
ففي العرف البعثيّ، الأسديّ، ليس الطائفيّ هو الذي يحتكر السلطة في فئة دون غيرها، والذي يغلّب الإنماء في مناطق دون غيرها، والذي يمنع الناس من التواصل من دون خوف ومن دون علاقات تخويف وترهيب في ما بينهم، إنما الطائفيّ في هذا العرف هو من يسميّ هذه الأمور بأسمائها، ويحتجّ على ذلك، ويقول بأنّ الوحدة الوطنيّة غير محقّقة، وأنّ عليها أن تكون هدفاً للسوريين يصبون إليه.
وكان آخر حاجز يحول دون الاحتكار الأقلويّ للمجموعة العسكريّة العلويّة على الجيش، بعد انقلاب 23 شباط 1966 هو التصدّي للضباط الدروز الفاعلين فيه، وهو ما اتخذ عنوان "وضع حد للمناورات الطائفية" كما جاء في وثائق المؤتمر القطري لحزب البعث بعد هذا الانقلاب، وقصد به استهداف وتصفية الضباط الدروز الفاعلين. وهكذا كانت نتيجة المؤتمر استبعاد حمد عبيد وسليم حاطوم الدرزيين من القيادة القطرية الجديدة، مع أنهما لعبا، لا سيما حاطوم، دوراً تقنياً بارزاً في انقلاب 23 شباط، ويقول فان دام في هذا الصدد إنه "رغم أن سليم حاطوم كان له نصيب الأسد في تنفيذ انقلاب 23 شباط 1966، إلا أنه لم يُكافأ على دوره الفعال والحاسم، بل أيضاً فقد اعتباره في الحزب" وهو ما دفع به الى تنظيم تكتّل انقلابيّ لم يكن صعباً على الثنائيّ جديد والأسد الإيقاع به في آب 1966. وبعد فراره إلى عمّان، سيعقد حاطوم مؤتمراً صحافياً يصرّح فيه أن "الوضع في سوريا مهدّد بوقوع حرب أهلية نتيجة لتنمية الروح الطائفية والعشائرية التي يحكم من خلالها اللواء صلاح جديد واللواء حافظ الأسد والفئات الموجودة حولهما".
وأدّت الممارسات "العقابية" لجديد والأسد بحقّ أبناء جبل العرب إلى تدخل قائد الثورة السورية الكبرى لعام 1925، سلطان باشا الأطرش، الذي أرسل برقية مفتوحة لرئيس الأركان السوري في كانون الأول 1966، يورد فان دام نصّها: "لقد اعتاد الجبل وما يزال أن يقوم بالثورات لطرد الخائن والمستعمر، ولكن شهامته تأبى عليه أن يثور ضد أخيه ويغدر ببني قومه. لهذا الرادع الوحيد نقتصر مبدئياً على المفاوضات".
وبعد استبعاد الضباط السنة، والدروز (سليم حاطوم وفهد الشاعر)، والإسماعيليين (عبد الكريم الجندي الذي أجبر على الانتحار) عن مركز القرار، لم يطل الأمر حتى حُسِمَ الصراع داخل المجموعة العلويّة، لمصلحة حافظ الأسد. وهكذا تمكّن الأسد، بما يمثّله من عشيرة متواضعة، من إقصاء كل من محمّد عمران، الذي ينتمي الى اتحاد الخياطين العشائري ضمن الطائفة النصيرية، وصلاح جديد الذي ينتمي الى اتحاد الحدادين ضمن هذه الطائفة.
ولمن يرغب في تصديق أكذوبة تقدميّة النظام البعثيّ، عليه أن يقرأ كيف تقدّم مواقع الكترونية عديدة نسب الرئيس بشّار الأسد فتقول "هو الرئيس الدكتور بشار الأسد ابن القائد الخالد حافظ الأسد، بن علي بن سليمان الأسد، بن أحمد بن ابراهيم تسيّد جبال الكلبية في حينه". ثم يعاد النسب الى "شيخ التنوخيين الأمير الشيخ علي بالعامود، ابن شمس الدنيا والدين صاحب الرايات الأمير المرسل الذي استشهد في جمرزل، واسمه القاسم الكلبي الكناني المدرسي الصوفي الأمير التنوخي ابن صاحب السرايا والسجايا". ثم الى "قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرّة بن زيد بن مالك ابن الملك حمير بن سبأ مؤسس الدولة السبئية باسم مملكة سبأ "إذ جاء الهدهد من سبأ بنبأ يقين" وسبأ ابن يشجب ابن يعرب ابن قحطان".
هذا ليس بتفصيل لناحية عبادة العائلة الأبدية لنفسها، ولناحية فشلها طيلة العقود الماضية، في فرض عبادة أفرادها على الشعب السوريّ المؤمن والطيّب، الذي يواجه آلة الموت البعثية بصوت واحد: "يا الله ما لنا غيرك يا الله".
للإطلاع على التحقيق في الصحيفة
الحلقة الثانية: الاغتيال بقرار رئاسي… المهنة الأساسية للعائلة الأسديّة
الحلقة الأولى: أول الكابوس البعثي حلّ الجيش الوطني واستبداله بآخر عقائدي طائفي