لحظة رهيبة كانت لحظة التفجير في كنيسة "سيدة النجاة"، عشرة شهداء وعدد من الجرحى، ضحايا إيمانهم وممارسة شعائرهم، عمل إجرامي سبق قتل المؤمنين في نيجيريا على يد مجموعة "بوكو حرام" بـ 18 سنة، نعم هذه درجة وحشية مرتكب جريمة "كنيسة النجاة".
ولكن مع تطور الحوادث اللاحقة تبين لنا أن المجرم لم يستهدف المؤمنين مجاناً، لم يكن ذلك بسبب دينهم ومعتقداتهم، لقد أرادوا وضع اليد على لبنان ولكن كان هناك من لم يخضع، كان هناك من يطالب بتنفيذ الطائف (خطيئة مميتة)، كان هناك قائد لـ"القوات اللبنانية" لم يدخل اللعبة وبقي يغرد وحيداً، لم يقبل مدّهم بالشرعية وقاطع انتخابات الـ 13% فوصل نواب إلى المجلس بـ 43 صوتاً، فوجب التخلص منه.
نعم، كان سمير جعجع يقود المجتمع المسيحي، التف حوله حتى من كان يخاصمه في المجتمع المسيحي، كان القرار التخلص من جعجع، ولكنهم لم يريدوه شهيداً ليصبح رمزاً للمقاومة اللبنانية، يجب أن يموت مجرماً ملاحَقاً من العدالة، يجب أن يلفظه المجتمع قبل قتله، فكان تفجير الكنيسة واتهام جعجع بها وبدل أن يموت الشهداء ليحيا لبنان هذه المرة يموتون ليموت لبنان. مخطط شيطاني، ولكنه فشل، أفشله سمير جعجع، كان يعلم أنه يجب أن يبقى على قيد الحياة ولكنه رفض اتباع نموذج ميشال عون، لم يستمع لنصيحة الرئيس الهراوي لمغادرة البلاد، الرجل مؤتمن على قضية اختار لأجلها النظارة بدل الوزارة.
لم يغادر قائد "القوات اللبنانية" ليتمكنوا من إلصاق التهمة به بالرغم من اعتقال المقربين منه وتضييق الخناق عليه، فهم الرسالة ولكن فهمه والتزامه القضية كان أقوى، وضعهم في ورطة، حتى خصومه لم يصدقوا التهمة فكان الهروب إلى الأمام والإنتقال إلى الخطة "ب"، نذهب لاعتقاله فيقاوم ونقتله. ولكن الحكيم لا يضحي بالشباب من أجل معركة خاسرة، سلّم نفسه من دون إراقة دماء، وقال للشباب: "نشوف وجهكم بخير". وصل إلى صربا، ثم إلى اليرزة على قيد الحياة، أرادوا قتله في غدراس، هناك يموت مجرماً ولكن اغتياله على الطريق سيجعل منه شهيداً .
لقد ربح الرهان سمير جعجع، دفع ثمناً غالياً ولكنه ربح الرهان في أول يوم من محاكمته وكنت موجوداً في القاعة الثانية للمحكمة التي فتحوها بعد أن امتلأت القاعة الأساسية ودوت القاعتان بالتصفيق الحاد لحظة دخول المتهم بتفجير الكنيسة إلى قفص الإتهام فخرج منه بطلاً ناضل على مدى أكثر من 11 عاماً تلقى خلالها طعنات الخيانة من أقرب المقربين، ولكن لا شك أن تصفيق المواطنين له كان حافزاً له للصمود، فقلوب الصادقين أقوى من ألسنة الحاقدين.
دخل جعجع السجن بحدث كبير وخرج بعد حدث كبير يشبه الحدث الأول بالأهداف فكان اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لإزالة العائق الأخير في مسيرة وضع اليد على البلد ولكن وطن مثل لبنان أنجب هؤلاء الأبطال لن تتمكن منه زمرة مرتزقة، التاريخ لن يرحم، ولكنه أيضاً لن يظلم. شكراً سمير جعجع، يا من وقفت منتصب القامة في زنزانتك في الطابق الثالث تحت الارض بوجه مشروعهم العاصف يومها لتغيير وجه لبنان… شكراً لأنك علمتنا بالقول والفعل أن "ما مات حق وراءه مطالب" وأن المناضل لا يتعب ولا يمل ولا يخف من غد مجهول ولا يتوقف عن قول الحق حتى ولو كلفهم عمره.
