إنّ ظروفنا الحافلة بالقلق لم تعد تأخذ بالأعتبار ذوي الوهم والخداع والمراوغة والتلوّن من العاملين بالشأن العام، بقدر ما يستحوذ على انتباهها أولئك الذين يستنبطون أجوبة عن حيرتنا من وجدانهم أو حدسهم الذي هو الفكر وما فوق الفكر، ويشكّلون بالتزامهم صوت الجماعة تلك الرابطة المتضمنّة في أوّليّاتها عنصري المسؤولية والوجوب. من هنا، ينقسم الرجال الى "ذاتي" صاحب شطحات فانتيزية و"غيري" يتماهى مع أرق الآخر ويجعله رسالته، ما يشكّل نقطة انطلاق لمفهوم الألتزام. والألتزام المعاصر غيره في زمن الأستقطاب الأيديولوجي في القرن الماضي بين الغرب الرأسمالي والشرق الأشتراكي، حيث وظيفته أكاديمية معرفية. فقد أخذ اليوم منحى المشاركة بالموقف والأنحياز والنضال، وعبر من وظيفة "أنا أفكّر" الى وظيفة "أنا أمارس"، أي من مالك لرأسمال رمزي الى ناشط حركي أنتدبه التاريخ وموقعه في الجماعة لتأدية دور طليعي في نصرة الحق والدعوة أليه.
والألتزام نوعان: صادق وشعاراتي. أمّا الصدق، فيدفع بالملتزم صوب معركة متواصلة مع دور لا يتغيّر في مسيرة الأنسان وحركيّة المجتمع ليتكوّن عندها زواج متوازن بين الذات الحرّة والغيرية الجماعية، وهذا ضامن لاستمرارية القيمة لدى الملتزم. فما من إغراءات تفتنه أو تعوق ديمومة ثباته في موقفه، ولا التحطيم يجعله يحيد عمّا اعتنقه وناضل في سبيله، حتى ولو كانت رحلة الألتزام تنتهي في قبر أو تمرّ في شبه قبر. إنّ الصدق في الألتزام هو اختيار حرّ يجعل من يعتنقه ضمير عصره، وهذا ينطبق حتما على الرجال فقط. أما الألتزام الشعاراتي، فحالة المتلوّنين الذين يعايشون اهتزاز القيم في ذواتهم. وهؤلاء يدّعون الالتزام زورا ويمثّلون دور الثبات في الموقف، وببراعة في أكثر الأحيان، ليوهموا من يتابعهم بأنّهم لا يحيدون عمّا أطلقوا من شعارات طوال مسيرتهم "النضاليّة". والواقع أنّ في جعبتهم دائما جملة من القبّعات المتلوّنة التي تتناسب مع التغيّرات الظرفيّة. أما مواقفهم،على تناقضها، فتشترك بقاسم واحد هو المصلحة والمنفعة والمردود الشعبوي ولو كان السبيل اليه رخيصا.
فليس مهماً الأنقلاب على وحدة الوتيرة في الموقف التأسيسي، بل الرصيد الجماهيري الذي يمكن حصده بواسطة هذا التضليل – الأستدارة. المخزي يكمن في البحث اللاهث عن تبرير لا يرقى الى مرتبة الأقناع في أروقة الأدمغة، بل يفرض فرضا، فيقبله المصفّقون على غير هداية، هؤلاء الذي يعانون من خلل مركزي أسمه "العقل".
إنّ ما شهدناه في الآونة المنصرمة من مواقف صدرت عن مرجعيّات دونكيشوتيّة هلّلت لها الحناجر النمطيّة، لا يعدو كونه انهيارا مشهودا على مستوى التوازن لديها. وأقلّ ما يمكن استنتاجه هو إصابة هذه المرجعيّات بالحالة غير السويّة أو الأنفصام الموقفي، ما يستوجب ورشة استصلاح فكري تشير الدلائل الى نتيجته العبثيّة الأكيدة.
أمّا المفاجأة فليست في المنقلب على نفسه، وقد أصبحت هذه الحال فولكلورا مأنوسا عنده، ووضعا بائسا عندنا، بل في تحوّل المنقلب الى دمية مصابة باللاثبات تستجدي التسويات على حساب كرامتها، حتى مع الذين يستخفّون بها. لهذا نردّد لغير الرجال ما قاله الكبير سعيد عقل: "الكرامة قبل الصحّة".