كرر الرئيس أمين الجميل موقفه من الثورة السورية مذكرا بموقفه العلني الذي قاله في احتفال البيال وقبله في طرابلس عندما أكد أنه إذا كان أمن لبنان من أمن سوريا، فما نريد الإصرار عليه هو ألا يكون اللاأمن في سوريا لاأمناً في لبنان.
وقال الجميل في حديث لصحيفة "الأخبار": "التقينا في قوى 14 آذار على السيادة والحرية، ووقفنا في وجه سوريا بسبب انتهاكها السيادة. ما عدا ذلك 14 آذار ليست حركة اندماجية. التقت على أهداف واضحة لا نزال رأس حربتها للدفاع عن المبادئ والقيم. سبق أن اختلفنا مع حلفائنا كالقوات اللبنانية وتيّار المستقبل في بعض المواضيع، لكن ذلك عزّز اتفاقنا على المسائل الجوهرية وثبّت التحالف".
ولاحظ الجميل أن موقفه من "الثورة السورية" يلاقي جدلاً في أوساط حلفائه، أضاف: "آمل ألا يزايد أحد علينا. لا أحد دفع ثمن بربرية النظام السوري كحزبنا وعائلتنا، سواء باغتيال بشير أو ابنته مايا قبل ذلك. كل الخيوط قادت إلى مسؤولية سوريا عن اغتيالهما، وهي حقيقة ثابتة. وكذلك اغتيال ابني بيار الذي ربما قاد أحد خيوطه إلى سوريا، مع أنه لا معلومات لدينا في ذلك. لا يزايدنّ أحد علينا حيال الموقف من النظام السوري. لا أحد، كنحن، ناضل من أجل الحرية والديموقراطية. وهو سبب أولي وكاف كي نتضامن ونقف إلى جانب الثورة السورية في المناداة، بعفوية سياسية ووجدانية، أننا معها في النضال في سبيل الحرية والديموقراطية. مع ذلك، أعتقد بأن مصلحة لبنان تحتّم علينا التوقف عند قواعد ثلاث أجدها ضرورية في التعاطي مع ما يجري في سوريا وتحديد الموقف اللبناني منه:
أولاها، لأن التدويل طاول الثورة السورية إلى حدّ تداخلت فيها الدول الكبرى والتأثيرات الإقليمية والدولية، فإن أي تدخّل لبناني فيها يُكلّف لبنان أثماناً باهظة. تحت وطأة تلك التدخلات نذهب في بساطة دعس الخيل.
ثانيتها، اللبنانيون منقسمون على الموقف ممّا يجري في سوريا. فريق مع النظام وفريق مع المعارضة والثورة. وأي محاولة لإقحام لبنان في قلب الصراع السوري ـــ السوري تحمل تداعيات ما يحدث هناك إلى داخل لبنان، وتجعل ساحتنا مسرحاً لها، مع ما يعني ذلك من اقتتال في الشارع وأحداث أمنية كان اللبنانيون قد خبروها طويلاً في حقب عدة، ونوجد بذلك مشكلات إضافية لما نشكو منه، وخصوصاً في قضية أكبر بكثير من قدرتنا على التأثير فيها.
ثالثتها، نريد من حوادث سوريا ومن تأكيد عدم تدخّلنا في الشؤون السورية، مناسبة تاريخية وأمثولة من أجل إقناع السوريين بألا يتدخّلوا في شؤوننا ويتركونا وشأننا. لا نريد الاكتفاء بعدم رغبتنا، بل بإرادتنا بعدم التدخّل بأي شكل من الأشكال في ما يجري في الشأن السوري. إذ ذاك نكون قد وجّهنا إلى السوريين رسالة واضحة وصريحة هي رفضنا تدخّلهم في شؤوننا في السراء والضراء، انطلاقاً من عدم تدخّلنا في مشكلاتهم في ما يحدث الآن. بذلك لا نكتفي بتجريدهم من الذريعة، بل نشجّعهم على مقاربة جديدة للعلاقات اللبنانية ـــ السورية لم يعرفوها من قبل. إلا أن المشكلات التي يواجهونها اليوم في الداخل، من شأنها ـــ وموقفنا منها ـــ أن تفسح في المجال أمام المقاربة الجديدة هذه".
وتابع الجميل ان "أحداً لا يسعه من الآن معرفة السبيل الذي ستسلكه الثورة السورية. مَن سيبقى منها ومَن سيرحل. مَن يربح ومَن يخسر. بالتأكيد إذا ساعدنا طرفاً في هذا الصراع، مَن تراه يستطيع أن يؤكد لنا أنه سيكون هو في السلطة بعد انتهاء هذه الأحداث يوماً ما، أو في أحسن الأحوال لن نعود إلى المشكلات التي كنا نعاني منها مع سوريا، ليس الآن في المدى القريب، ولا في سني الحرب، بل أيضاً، لمَن يريد أن يعود إلى التاريخ، منذ مطلع الأربعينات بإقفال الحدود أو الاعتداء على أراضينا أو التشكيك في استقلالنا أو طعن سيادتنا. خلافنا مع أي فريق سيخرج منتصراً من الثورة السورية لن يكون في نتائجه أحسن حالاً من خلافنا مع مَن حكموا سوريا في العقود المنصرمة وعانينا منهم الأمرّين، واحتججنا على تدخّلهم في شؤوننا الداخلية وتعرّضهم لاستقلالنا، وأرغمنا على مقاومتهم. الخوض في المستنقع السوري الراهن لا يشفي غليل أي أحد ممّن تضرّروا لسنوات طويلة من النظام السوري، وشراسة تعاونه معنا دولة وقوى وأحزاباً ومواطنين".
وعن سؤال "كيف يرسم حدود التضامن مع المعارضة السورية"، قال الجميّل: "حدود التضامن هي الشعارات التي ترفعها الثورة السورية، والدفاع عنها في المحافل الدولية، وخصوصاً في الأمم المتحدة، في سبيل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان والجماعات وحسن الجوار، وكذلك وقف القمع ونبذ العنف والاقتتال الدموي".
وعما إذا كان يعتقد بأن موقفه هذا يتقاطع مع السياسة التي تنتهجها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في النأي بالنفس، ويرفضها حلفاؤه في قوى 14 آذار، أجاب الجميل: "هذا موقفي في الأساس. مشت فيه الحكومة عال. الدوافع المبدئية والمنطق يحملانني على هذا الموقف. لا أحبّذ استخدام عبارة النأي بالنفس، بل الحياد الإيجابي الذي يؤول فعلاً إلى تحييد الساحة اللبنانية عن انقسامات حادة تتولد من نزاعات ذات أبعاد استراتيجية، لا قِبَلَ لنا على مجاراتها أو الدخول طرفاً فيها، ونحن نعرف ما نعرف عن خلافاتنا الداخلية وتباين الآراء ووجهات النظر. ليس من باب المفارقة أن العداء لإسرائيل يجمع بيننا، وكذلك الموقف من الصراع العربي ـــ الإسرائيلي، ويُفضي إلى توحيد رؤيتنا وتعزيز مناعة وحدتنا الوطنية. القياس نفسه في ما يتصل بصراع المحاور والأنظمة العربية والإقليمية والدولية كي لا تورّطنا في أزمات نحن في غنى عنها. من هنا طرحنا الحياد الإيجابي. الموقف من سوريا يشكّل اليوم جزءاً لا يتجزأ منه. آمل ألا يتذاكى أحد. مَن يرد وحدة البلد والأمن والاستقرار يبتعد عن سياسة المحاور".