كتب جورج علم في صحيفة "الجمهورية": تتدرّج الأزمة من هذا البعد الإستراتيجي: تشكّل سوريا – النظام، خطّ الدفاع الأخير عن إيران، فيما تمثّل سوريا – المعارضة، خطّ الدفاع الأخير عن الخليج في وجه إيران. ويتمّ الاستقطاب الدولي وفق هذه المعادلة قبل البحث في النفعيات، ولعبة المصالح. اصطفاف أكثر من 70 دولة تحت مظلّة «مؤتمر أصدقاء سوريا» في تونس، شكّل نوعا من «عرض العضلات» للقوى الداعمة للمعارضة، في وجه محور تقوده روسيا وإيران لم يتبلور عديد دوله بعد، ولكنّه استطاع – حتى الآن – أن يمدّ النظام السوري بالكثير من المقويات لتأمين استمراريّته.
إنتهى «مؤتمر الأصدقاء» في تونس، الى إيجابيات ثلاث، وسلبيات ثلاث.
الإيجابيّة الأولى: أن الثقل الخليجي كان وازناً، وخرجت السعوديّة من المنطقة الرماديّة الى الموقع المتقدّم على جبهة المواجهة، ودفع هذا الموقف الكثير من الدول المترددة الى اعتماد خيارات واضحة، والتقدّم نحو «الخطوط الأماميّة للجبهة».
الثانية: أن المؤتمر كان البداية لمسار طويل لن ينتهي إلّا بتحقيق الأهداف التي انعقد من أجلها. ومن تونس انتقلت الأنظار الى تركيا التي ستستضيف المؤتمر الثاني خلال الشهر المقبل، وإن المستجدات الميدانيّة والديبلوماسيّة خلال هذه الفترة الفاصلة ستكون مدار بحث واهتمام، وربما مصدر قرارات هامّة ومفصليّة.
الثالثة: كان هناك تنوع في المواضيع، في الطروحات، والمناقشات، والمقاربات، لكن «فنّ الممكن» كان هو الطاغي، بمعنى أن الذي ذهب ليجرّ الآخرين الى النزال مع النظام نيابة عن المعارضة المسلّحة، قد خاب ظنّه. والذي ذهب ليسجّل حضورا فقط قد فشل في خياره، ووجد نفسه معنيّا، وتترتب عليه التزامات أقلّها إنساني، ومعنوي، وبالتالي فإن المؤتمر قد انتهى بحدود ما كان متوقعا له، أي بقرارات وتوصيات «الفن الممكن»، نظرا للحسابات الإقليميّة – الدوليّة المعقّدة.
اما في السلبيات، فيسجّل الآتي، أولا: كان تعويل «صقور المؤتمر» على الدور الأميركي، إلّا أن جيفري فيلتمان قد ذكّر الأتراك، و»الحلفاء الخليجيّين»، وكلّ من سعى الى ترتيب انعقاد المؤتمر، بثوابت ثلاث: إن أحداً لا يُملي على الولايات المتحدة ما عليها أن تفعله، بل هي التي تملي، وتوجّه. وإن الهدف من مشاركتها كان لشدّ أزر المجتمعين، وتوفير الدعم للخيار العربي، والقرار العربي حيال سوريا، وليس للهروب من التعريب، والتلطي وراء التدويل. وإن المشهد السوري هو مستقطب بنظر العرب، وبعض دول الجوار، ولكنه بنظر الولايات المتحدة إنما هو جزء من مشهد إقليمي – شرق أوسطي عام، وعندما تتحدث واشنطن عن الملف السوري، إنما تأخذ بعين الاعتبار سائر الملفات الأخرى المعقّدة في المنطقة، وموقف الروس، والآخرين منها.
السلبيّة الثانيّة، أن وزيرة الخارجيّة هيلاري كلينتون قد «بَقّت البحصة»، وأفصحت عمّا كبتته طوال فترة انعقاد المؤتمر، وأعلنت أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تقدّم السلاح للمعارضة السوريّة، لأنها لا تريد «تسليح القاعدة وحماس؟!». ولم يأت الوقت بعد لتقدم واشنطن على ذلك؟!.
الثالثة: غياب اللحمة بين أطياف المعارضة، وممثلها المجلس الوطني السوري. إن مؤتمر تونس كان مؤتمر المعارضة بامتياز، والفرصة التاريخيّة السانحة للمجلس الوطني، والمجال الحيوي المؤاتي لانتزاع التأييد، وانتزاع القرارات المهمّة التي تحسّن من وضعه، وتحصّن مواقفه وخياراته. لقد فوّت الفرصة. صحيح أن المؤتمر لم يكن بخيلا بقراراته وتوصياته الداعمة، لكن عندما انفرط عقده، تعززّت القناعة عند الغالبيّة المشاركة من أن المعارضة إنما هي مجموعة من المعارضات، والتوجهات أيضا.
أما الرد على «مؤتمر تونس» فكان في الاستفتاء حول الدستور الجديد، لقد اصطفّ المحور الدولي – الإقليمي الداعم للنظام خلف الاستفتاء. وبمعزل عن المحصلة، ولغة الأرقام، فإن النتيجة جاءت متعادلة، لا مؤتمر تونس قد حقق خرقا نوعيّا ضدّ النظام، ولا الاستفتاء قد رجّح كفّة الديموقراطيّة، والخيارات السياسيّة – الإصلاحيّة – التسوويّة. إن مثل هذه المعادلة كانت محسومة سلفا لاعتبارين، الأول: إن سوريا قد تحوّلت الى جبهة مواجهة بين محورين، الأول بقيادة الولايات المتحدة، والثاني بقيادة روسيا، وتشمل هذه المواجهة كل الملفات الخلافيّة في المنطقة.
والثاني: إن السلّة الماليّة الحَرزانة التي وفّرتها دول الخليج لم تغر الولايات المتحدة، ومعها دول حلف الناتو، للدفع بهم، وحملهم على الانتقال من ضفّة التنظير الإعلامي، والعقوبات الاقتصاديّة التي لم تثبت جدواها، الى المواجهة المباشرة لإسقاط النظام. لقد أثبتت الوقائع مرّة أخرى أنه في «استراتيجيّة الكبار، لا مكان للصغار؟!».