#dfp #adsense

“الجمهورية”: ما العوامل التي تجعل الإنتخابات أولويّة؟

حجم الخط

كتب شارل جبور في صحيفة "الجمهورية": إنّ مقاربة أيّ قضية محلّية في ظلّ ما يجري في سوريا تبدو للوهلة الأولى كأنّها بعيدة عن الواقع، لأنّ الأحداث اللبنانية تحوّلت تفصيلية في ظلّ الثورة السورية التي يشكّل نجاحها تحوّلاً استراتيجيّا في المعادلة الشرق أوسطية ومن ضمنها لبنان، ولكن هذا لا يقلّل من أهمّية مواكبة التطوّرات الخارجية بالاستعدادات الداخلية، لأنّ العبور إلى السلطة شرطه الفوز في الانتخابات.

فالنظام السوري لم يكتفِ في العام 1990 بالتفويض الأميركي بإدارة الملفّ اللبناني، إنّما سارع إلى تقريب موعد الانتخابات وزيادة عدد النوّاب من 108 إلى 128 وإقرار قانون على قياس حلفائه، وذلك من أجل وضع يده على مفاصل السلطة في لبنان التي لا يمكن أخذها فقط بالدبّابة، بل يفترض «شرعنتها» بواسطة المؤسّسات. وعندما كان يسأل هذا النظام عن وجود جيشه في لبنان كان يحيل السؤال إلى المسؤولين اللبنانيين الذين يقولون بالحاجة لهذا الوجود للحؤول دون عودة الحرب الأهلية.

وما ينطبق على سوريا ينسحب على «حزب الله» الذي استخدم كلّ الوسائل المتاحة بين عامي 2005 و2011 بغية الإمساك بالسلطة، ما يعني أنّ صواريخه لم تشكّل له «الضمانة» الكافية لأن يغضّ النظر عن هذه السلطة المعطلة بفعل سلاحه، إنّما حاول المستحيل لأخذها إنْ بواسطة الانتخابات أو بالانقلاب على المؤسّسات.

ولعلّ السؤال البديهي والمكرّر الذي يتبادر إلى كلّ ذهن اليوم: هل سقوط النظام السوري يعني سقوط «حزب الله» في لبنان؟ والجواب بالتأكيد: كلّا. لا شكّ أنّ الحزب سيفقد عمقه الاستراتيجي ومظلة أساسيّة وورقة محوريّة مضافاً إليها كيفية تعامله مع القوى الإسلامية التي تبوّأت مراكز السلطة في دول الربيع العربي، ما سيجعله مربكاً ومأزوما، لأنّ قوّته متأتّية من دوره الإقليمي، وسقوط النظام السوري وإعادة حركة «حماس» تموضعها، يعني نهاية هذا الدور كونه سيصبح مطوّقاً من الخارجَين الفلسطينيّ والسوري، فضلاً عن الداخل اللبناني. ولكنّ هذا شيء، و»تسييل» التحوّل البنيوي السوري شيء آخر، الأمر غير الممكن من دون الفوز في انتخابات العام 2013.

فالاستحقاق النيابي المقبل، بهذا المعنى، هو استحقاق مفصلي، ويشكّل فعلاً المدخل الأساس لانطلاق مشروع «العبور إلى الدولة»، وبداية تفكّك المنظومة التي أوجدها السوريّ والإيراني لإبقاء لبنان ساحة من ساحات نفوذهما وجهادهما، فضلاً عن تشكيله تحدّياً لقوى 14 آذار، انطلاقاً من الآتي:

أوّلاً، على مستوى قوى 14 آذار مجتمعة: التحدّي الأساسي أمام هذه القوى يكمن في إظهار أنّ الاستحقاق المقبل لا يخرج عن سياق الاستحقاقين اللذين سبقاه في عامي 2005 و2009، أي بقدرتهم على إبقاء الأكثرية من ضمن صفوفهم، كما تبيّن أن تبدّل الأكثرية جاء نتيجة انقلاب نفّذه «حزب الله» في وضح النهار.

هذا لجهة الشكل المتمثل بإعادة هذا الفريق تأكيد أكثريته، أمّا لناحية المضمون فيعني انتقاله من ردّ الفعل إلى الفعل، أي ترجمة فوزه داخل المؤسّسات بالإرادة والقدرة على ممارسة الحكم، الأمر الذي كان متعذّراً نتيجة عوامل ذاتيّة (خشية 14 آذار من جرّ الحزب البلدَ إلى حرب أهليّة) وأخرى موضوعيّة (قدرة المحور الممانع على تفجير البلد)، وبالتالي خسارة هذا المحور للمكوّنين السوري والحمساوي سيضعفه ويجعله يجري ألف حساب قبل الإقدام على أيّ خطوة، خصوصا أنّ أيّ خطوة انتحارية غير مبرّرة، لأنّ قوى 14 لا تريد شطبه من المعادلة بل لبننته.

ثانياً، على مستوى المكوّن السنّي الـ14 آذاري: التحدّي الأساس أمام هذا الفريق يكمن في إعادة تأكيد مرجعيته المطلقة داخل البيئة السنّية، ومعاقبة كلّ من انقلب على الطائفة وثوابتها وتضحياتها، وإقفال هذه الساحة أمام أيّ اختراق في المستقبل.

ثالثاً، على مستوى المكوّن المسيحيّ الـ14 آذاري: التحدّي الأساسي يكمن في تلقين العماد ميشال عون هزيمة انتخابية تشكّل درساً له ولكلّ من يحاول الانقلاب على المرجعية التاريخيّة للمسيحيّين المتمثلة بخطّهم التاريخي ومجموعة الثوابت والمبادئ التي جسّدت علّة وجودهم.

تأسيساً على ما تقدّم، وبما أنّ قوى 14 آذار اتّخذت قرار «النأي» بالنفس عن الثورة السوريّة، أي اكتفاءها بتسجيل المواقف من دون استخدام الشارع لإسقاط الحكومة التي أتى بها الأسد في غفلة من الزمن، يفترض بها الانتقال من الموقع الانتظاري إلى الموقع العملي عبر البدء جدّيا بتعبئة الشارع واستنهاضه وصولاً إلى انتخابات تمنحها القدرة على الحكم وإعادة الاعتبار للدولة المغيّبة منذ أكثر من أربعة عقود.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل