كتب جورج ساسين في صحيفة "الجمهورية": إن محدودية الخيارات المتاحة لدى عدد من أصحاب القرار في الغرب لقلب الوضع بسرعة لمصلحة المعارضة السورية، دفعت بعضهم إلى الرهان على تغير جذري لدى الرئيس الروسي العتيد فلاديمير بوتين. إلى جانب ذلك، واصل هؤلاء تنفيذ خمسة إجراءات كفيلة بتضييق الخناق على دمشق وموسكو، فيما تكشفت مؤشرات لنزاع إرادات يتجاوز الاستحقاقات الانتخابية.
ثمة رهان كبير غير مسبوق في بعض الدوائر الغربية على انقلاب مأمول في مواقف بوتين حيال الأزمة السورية، حيث "التأكيد" أنه قبل الرابع من آذار سيكون غيره بعد هذا الموعد، وكأن التشدد الذي يبديه هو مجرد رافعة له في معركته الانتخابية الداخلية لكسب أصوات جديدة من جهة، والظهور بموقف من يقارع الغرب على خلفية القومية الروسية من جهة أخرى.
فالترياق، في رأي هذه الدوائر، سيأتي على يد بوتين، وكأن مصير الرئيس السوري بشار الأسد متوقف فقط على إشارة منه لتغيير المعادلة الداخلية والإقليمية. بيد أن هذا التبسيط المبالغ فيه، هو محاولة لتكرار ما جرى للرؤساء المصري حسني مبارك والتونسي زين العابدين بن علي واليمني علي عبدالله صالح بعدما حضّهم الزعماء الغربيون علناً، وفي مقدمهم الرئيس الأميركي باراك أوباما، على التنحي من السلطة. وكأنها سابقة يجب الاقتداء بها في أي مكان وزمان. لكن هذا الرهان يصطدم بـ"وقائع عنيدة" تشكل ملامح لبروز حالة جديدة من"الحرب الباردة" التي استعادت كل أوصافها مذ شنّ حلف شمال الأطلسي حرباً في ليبيا أطاحت نظام معمر القذافي، وهو أمر لا تخفيه موسكو وبكين وعواصم عدة في البلدان الصاعدة.
عن هذا الرهان، يقول بعض الديبلوماسيين الغربيين في مجالسهم: "إنه حرصاً منا على سمعة روسيا وصورتها في العالم العربي، وكذلك على مصالحها، نمرر رسائل إلى موسكو بغية إفهامها بأنها تذهب بعيداً في دعمها لبشار الأسد، لكننا نقدر الظرف الانتخابي الخاص لبوتين، إذ لا يمكنه، قبل الأحد المقبل، استخدام لغة شبيهة بما يعلنه زعماؤنا في الولايات المتحدة وأوروبا، لأنه سيفسّر على أنه مؤشر ضعف على موقف موسكو التي تلتحق بركبنا. في المقابل، حين سيتم انتخابه رئيساً لمرة جديدة ويحل مكان ميدفيديف، فإنه سيكون له الدور البارز جداً، وسيحظى بتأييد الرأي العام الغربي والعربي إذا قرّر التخلي عن الطاغية لوقف حمام الدم". ويضيف هؤلاء: "إذا قالت روسيا لبشار: "عليك بالرحيل، فسيرحل". ذلك أنها تعلم علم اليقين أن على الرئيس السوري التنحي، لكن موسكو لا تقول له شيئاً اليوم، فلننتظر مرحلة ما بعد الأحد المقبل".
إذاً، ثمة "سباق في الاستحقاقات والمواعيد"، ولعله هو العنوان الرئيسي الذي سيتصدر الأسابيع الأربعة المقبلة التي ستفصل ما بين الاستفتاء على الدستور الجديد في سوريا، والانتخابات الرئاسية الروسية في 4 آذار، وتولي العراق رئاسة الدورة المقبلة للقمة العربية في أواخر الشهر المقبل. هذا الجدول الزمني الذي يندرج في سياق واحد من الناحية الجيوسياسية، إذا أضفنا إليه بطبيعة الحال الانتخابات التشريعية في إيران لاختيار 290 نائباً في مجلس الشورى، يقابله جدول زمني معاكس تماماً للدفع أولاً، إلى اتخاذ تدابير عقابية ضد شخصيات نافذة في الدولة السورية وعدد من مؤيدي الأسد ومعاونيه، فضلاً عن تجميد أوروبا أصول المصرف المركزي السوري. ثانياً، مساعدة "المجلس الوطني السوري" على إعادة تنظيم صفوفه وتوسيع قاعدته لتضم مكونات المجتمع السوري بأسره، ومدّه سراً بالمال والسلاح والمدربين. ثالثاً، محاولة طرح باريس على مجلس حقوق الإنسان في جنيف في دورته الحالية التي بدأت أمس نقل لائحة أسماء مسؤولين سوريين ضالعين في أعمال القمع لملاحقتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية. رابعاً، حشد أكبر عدد من الدول للمشاركة في مؤتمر اسطنبول "لأصدقاء الشعب السوري" ووضع خطة عملية لتنفيذ مقررات مؤتمر تونس. خامساً، تكثيف الهجمة الدعائية الأميركية والأوروبية، ومن بينها العربية، على موسكو لثنيها عن الاستمرار في تأييد الأسد، والاستمرار في محاولة تحييد بكين وعواصم دول "البريكس".
إن نزاع الإرادات الدولية هذا على سوريا لا يمكن تبسيطه وحصره ببعد تكتيكي ـ سياسي واحد، فما جرى في ليبيا حين علا صوت الرصاص، وبدأت قوات حلف شمال الأطلسي غاراتها الجوية ضد أهداف تابعة للزعيم الليبي السابق معمر القذافي، متجاوزة ما تمت الموافقة عليه في مجلس الأمن بدعوى "حماية المدنيين"، قصم ظهر "الأسرة الدولية"، فأبدت دول "البريكس"، وفي مقدمها روسيا والصين، اعتراضاتها على "استغلال قراري 1970 و1973 وحرفهما عن نصهما وروحهما"، بحسب تلك الدول.
ولعلّ الجواب على الرهان الغربي على بوتين ما قاله السفير الفرنسي السابق فرنسوا نيكولو، غداة حركة الاحتجاجات في سوريا، إن مبدأ "حماية المدنيين" على يد دول أجنبية قد مرّر لمرة واحدة، وهو لن يتكرر لأنه أشبه ببندقية لا تطلق إلاّ طلقة واحدة، وبعدها تتحول إلى خردة غير صالحة للاستعمال. فبدلاً من أن تلتزم الدول الغربية إقامة مناطق حظر جوي فوق ليبيا تطبيقاً لهذا المبدأ، تجاوزته إلى عملية قلب نظام الحكم هناك من جهة، وحاولت فرض قواعد جديدة في العلاقات الدولية من جهة أخرى، الأمر الذي أحرج موسكو والصين وأخرجهما عن طورهما. وهذا ما نراه من تداعيات استراتيجية وسياسية في سوريا.