كتبت ليال كيوان في صحيفة "النهار":
لم يكد حسن يمضي شهره الثالث في علاقته مع جيهان، حتى طلب منها الانتقال للسكن معه في شقته. "التقينا في الشركة حيث أعمل، ولفتت انتباهي منذ اليوم الأول الذي باشرت فيه وظيفتها، وسرعان ما تقاربنا وكان الانسجام والحب. فشعرت بتعلّق شديد بها دفعني لأطلب منها أن تأتي للسكن معي كي تكون الى جانبي "ليل نهار" "المطلوب هو البقاء معاً أطول فترة ممكنة"، هي الجملة التي تتردد بينهم. والأسباب تختلف بين شخص وآخر، شرط أن تتخذ العلاقة طابع السرية والكتمان.
هي المساكنة التي لا يُعرف حجم انتشارها والإقبال عليها في لبنان، وتكون بديلاً من الزواج لدى قلة تجاهر بها وتعتبرها حلاً موّقتاً مرهوناً بالظروف، وآخرون يفضلون "ممارستها" خلسةً لقضاء حاجات عاطفية أو جسدية أو نفسية مختلفة. ومع غياب أرقام إحصائية تبيّن نسبة "المتساكنين"، وبصرف النظر عن النتائج الإيجابية منها والسلبية التي تخلّفها، ومن دون البحث عن الخاسر والرابح بين طرفي العقد الشفهي السري، يحاول "نهارك" استطلاع آراء مجموعة من الشباب في المساكنة، في استفتاء لا يمكن تعميمه، بل تبقى لكل حالة خصوصيتها ولكل فرد ظروفه الخاصة.
حسن لا يفترق عن جيهان "لا في المنزل ولا في العمل، الى أن يأتي اليوم الذي تتحسن فيه أحوالي المادية ونتمكن من الارتباط الرسمي العلني". لكن جيهان، وبعد مدّ وجزر وأخذ وردّ، حسمت أمرها وقررت أن تتبع هوى قلبها رغم أنها لم تغفل نداء عقلها. "أنا أعيش اساساً بمفردي بعيداً من أهلي، وعندما قررت أن أنتقل للعيش مع حسن لم أخبر أحداً بالأمر، لاسيما وأن أهلي لم يكونوا ليقبلوا بأن يجمعني سقف واحد مع رجل غير زوجي، فأخفينا الأمر عن الجميع باستثناء بعض أصدقائنا المقربين والذين نثق فيهم".
تنوعت الأسباب وبقيت المساكنة سرية
إذا صحّ القول بأن الانفتاح على المجتمع الغربي أنتج جملة من الأمور التي أسهمت في شكل أو في آخر في تطوير بعض نواحي حياتنا العملية، فيمكن القول أيضاً إن ذلك الانفتاح نفسه أدخل الى مجتمعنا عادات لم تكن مألوفة ولا تزال، أبرزها المساكنة، وإن كانت بعض الظروف تحتّم على عدد من الشبان والشابات اللجوء الى العيش معاً من دون عقد ارتباط رسمي شرعي. ومنهم من يعلّل إقدامه على تلك الخطوة بالظروف المادية التي تعوّق الزواج والقيام بالواجبات التي تفرضها المؤسسة الزوجية، ومنهم من يبرّرها بالحاجة الى مزيد من التعارف لاتخاذ القرار المناسب في شأن العلاقة، وبعضهم لا يخجل من الإفصاح عن الحقيقة الكامنة وراء اختيار المساكنة المتمثّلة بالحاجات الجنسية والجسدية التي تفرض وجود شريك دائم الى حدّ ما في حياة الشخص، والشرط الأساسي للمساكنة في لبنان أن تكون سرية جداً وبعيدة من الأنظار.
إستشراف للمستقبل
وفي ما يتعلق باعتماد المساكنة كطريقة لتعارف الثنائي في العمق على بعضهما البعض، يقول علي إنها الطريقة المثلى لاختبار مدى نجاح العلاقة الزوجية مستقبلاً: "نجاح الزواج يُستشف من نجاح الحياة المشتركة للرجل والمرأة، فأنا أعيش مع حبيبتي في منزل واحد من دون أن يدري أحد بنا، فمنزل أهلها بعيد، لذا سكنا في المدينة التي قصَدَتْها مريم لمتابعة تعليمها الجامعي، ولا نزال نحتاج الى مزيد من التعارف، وأمامنا متسع من الوقت كي نحسم أمرنا بالاستمرار أو الفراق". أما مريم، فيمكن ملاحظة مدى تعلّقها بعلي وتمنياتها بعدم الافتراق، "لا أحب أن أفكر في الانفصال، خصوصاً أننا في مجتمع لا يرحم وإن كانت علاقتنا سرية".
حاجات ورغبات
لأنطوان حسابات أخرى في مساكنته فيفيان، فكلاهما متفقان على العيش معاً كي يكونا قريبين من بعضهما البعض لتلبية مشاعرهما العاطفية وحاجاتهما الجسدية. "ولِمَ الخجل؟ فنحن نحب بعضنا، سواء جاهرنا بذلك أم أخفينا الأمر فهو حاصل لا محالة، فكل شاب وفتاة تربطهما علاقة حب من الطبيعي أن تتوجها علاقة جسدية تكمّل المشاعر". ويؤكد أنطوان ما قالته فيفيان، مضيفاً: "نحن متفقان على أن نكون معاً من دون أن نفكر في المستقبل الذي قد يجمع بيننا يوماً وقد يفرّقنا. نحن نعيش اللحظة ونستمتع بحياتنا من دون أي عقد أو خجل".
وماذا عن المجتمع؟
في ظل طابع السرية الذي يخيّم على المساكنة الذي يجعل من الصعوبة بمكان القيام بدراسات علمية دقيقة، تبيّن ما إذا كانت تلك الظاهرة آخذة في الانتشار في مجتمع لا يزال يعطي الأولوية للزواج والعلاقات الرسمية، لا بدّ لنا من أن ننظر الى المساكنة بعيون خبير بالمجتمع وما يحوطه من عادات وتقاليد.
ويقرّ أستاذ العلوم الإجتماعية في جامعة الروح القدس الكسليك الدكتور ميشال عوّاد، بعدم معرفته ما إذا كانت المساكنة آخذة في الازدياد أم لا، علماً أن المساكنة المتعارف عليها في الغرب هي "أن تكون علنية بين شاب وفتاة يجمع بينهما منزل واحد يتشاركان السكن فيه والمصاريف والمناسبات الإجتماعية، والى ما هنالك من تفاصيل الحياة اليومية. وفي الغرب أمست تلك الظاهرة مقبولة ومقوننة وطبيعية، نظراً إلى علامات الإستفهام الكثيرة التي باتت تُطرح على مؤسسة الزواج مع تغير نمط الحياة وإيقاعها. أما في لبنان، فما من دراسات جدية وعميقة في صلب الموضوع تدلّنا على المعرفة الحقيقية لمدى انتشار ظاهرة المساكنة، بسبب طابعها السري غالباً واعتبارها ظاهرة هامشية". علماً أن عواد يقول إنها لطالما كانت موجودة في مجتمعنا وإن على نطاق ضيق وخفي، ويضعها في خانة ممارسة الجنس خارج إطار العلاقة الزوجية ويشبّهها بالعلاقات العابرة لناحية صفة اللاشرعية التي تكتسبها دينياً ومجتمعياً، فهي تندرج في إطار العلاقات العابرة ما لم تنتهِ بالزواج. "فالمجتمع لا يزال متحفظاً حيالها، والزواج هو المنظومة الأساسية لأي علاقة بين رجل وامرأة"، في حين يعتبر المساكنة والعلاقات العابرة هي التطرف والخروج عن المألوف والمعتاد عرفاً. كذلك لا يرى فيها ظاهرة خطيرة إذا ما قورنت بموجة انحسار الإقبال على الزواج، "لأسباب اقتصادية ومادية وازدياد طلب العلم وغيرها مما يؤخّر سن الزواج، لكن هذا لا ينشّط ظاهرة المساكنة، بل يفعّل العلاقات الجنسية خارج الزواج حتى تصبح أكثر قبولاً من المجتمع بسبب التغير في العقلية المتجذرة وتسلّل مفاهيم الحداثة. والمساكنة بمعناها العلمي، أي تقاسم الشريكين الحياة كما لو كانا زوجين لكن من دون عقد رسمي، لا تزال قليلة جداً في لبنان وبرأيي هي لا تزيد بسبب اصطدامها برفض ديني وعقائدي، عكس بعض الدول الغربية التي شرّعتها قانوناً على غرار فرنسا التي أوجدت قانون "Le Pacte Civil de Solidarité PACS" أو "ميثاق التضامن المدني الذي ينظّم أسس العلاقة بين طرفين". لكن تبقى حقيقة انتشارها لبنانياً، أم عدمه رهن الدراسات الممنهجة الغائبة حالياً.