يحتشد في حديقة عامة في مدينة القصير السورية عشرات من المشيعين، تصدح حناجرهم في وداع رفيق لهم قضى بشظايا قذيفة، بينما تتردد على مقربة منهم اصوات طلقات رشاشة وانفجارات.
على مقربة من فيلا لم يكتمل بناؤها في المدينة ذات الغالبية السنية والاقلية المسيحية والبالغ عدد سكانها حوالى اربعين الفا، تجمع عشرات من المدنيين والعناصر في الجيش السوري الحر لوداع ابو ايهم (35 عاما، اسم مستعار) الذي اصيب الاسبوع الماضي في رأسه اثناء اشتباكات بين القوات النظامية ومجموعات منشقة.
ويقول احد اقرباء القتيل لمراسل وكالة فرانس برس في المكان، رافضا الكشف عن هويته، "نقلناه الى لبنان للعلاج، لكن اصابته كانت بالغة وتوفي هناك أمس. وقد اعيدت جثته اليوم".
الى جانب الجثمان المغطى بالزهور، تصيح والدة ابو ايهم "سننتقم منك يا بشار الاسد".
وتضيف "انا فخورة بابني الشهيد. انا مستعدة لان اضحي بابنائي الثلاثة ثمنا للحرية، لكنني اريد الثأر". وتهتف بين الحشود "الشعب يريد اعلان الجهاد" ضد النظام.
قبل بدء الاحتجاجات في سوريا، كان ابو ايهم تاجرا، ثم أصبح مواطنا صحافيا يرافق عناصر الجيش الحر في عملياتهم لنقل تقارير اعلامية عنها تنشر على شبكة الانترنت.
واتت لوداع ابو ايهم زوجته تحمل طفله ذا الاشهر المعدودة، فيما تحلق حوله رفاقه في الجيش الحر يغالبون دموعهم، ويرددون مع عائلته ما يستحضرونه من صلاة ودعاء، قبل ان ينطلق موكب الجثمان الى مرقده الاخير.
ويشق الموكب الذي شارك فيه مئات الاشخاص طريقه في القصير، وسط نساء يرششن الارز.. وعدد المشاركين فيه يرتفع على الطريق.
وتقع القصير في محافظة حمص، على بعد بضعة كيلومترات من مدينة حمص التي تتعرض احياء منها منذ اكثر من ثلاثة اسابيع لقصف مدفعي وصاروخي متواصل من الجيش النظامي.
ويدفن سكان القصير موتاهم في حديقة عامة في ظل استمرار سيطرة الجيش النظامي على المنطقة التي تقع فيها مقبرة المدينة. وتضم هذه الحديقة حتى الان رفات نحو ستين شخصا.
وتطلب الوصول الى هذه الحديقة المرور في طريق طويل تجنبا لرصاص القناصة، على ما يقول احد عناصر الجيش الحر.
ويقول احد اصدقاء ابو ايهم، وهو مسيحي في الرابعة والثلاثين، "لم يتوقف القصف على القصير منذ شهر، ومعظم المصابين هم من المدنيين".
ويضيف "كانت تظاهراتنا سلمية لكن بشار رغم ذلك اراد ان يقتلنا".
ويطلق عناصر الجيش الحر طلقات رشاشة في الهواء، ويصرخون "الله اكبر"..ويحملون الجثمان على الاكف ويجولون به في دائرة وسط المشيعين.
ويهتف رجل بواسطة مكبر للصوت "الى ام الشهيد الثكلى..نقول كلنا اصبحنا اولادك اليوم".
ويتوجه الرجل الى الحشد مضيفا "جيش الاسد يقتل شعبه، الاسرائيليون لم يفعلوا مثله بنا".
ويردد الجمع هتافات ثورية لا تلبث ان تقطعها طلقات نارية واصوات انفجارات تأخذ شيئا في شيئا في الاقتراب. فيغادر عدد كبير من المشيعين المكان، فيما يواصل الاخرون طريقهم نحو المدفن.