
كتب عباس صالح في "النهار": أعادت عملية خطف الشابين السوريين براء محمد عز الدين وشقيقه علي من منزل والدهما في زحلة وطلب خاطفيهما فدية مالية قدرها 3 ملايين دولار قبل اطلاقهما امس، تسليط الضوء بقوة على عمليات الخطف التي تكاثرت في الآونة الاخيرة في كل لبنان، علما انها ليست "موضة جديدة" في عالم الجريمة، بل يلتصق تاريخها بتاريخ استخدام العنف البشري وسيلة لتحقيق المبتغى اياً كان.
واذا كان إحصاء دوافع عمليات خطف البشر وأسبابها ضرباً من ضروب المستحيل، فإن أبرز الاسباب التي غالبا ما تنجلي بفعل التحقيقات يمكن تحديد أهدافها بالآتي: خطف بقصد الابتزاز المالي، خطف لاسباب سياسية، خطف في اطار الجريمة المنظمة، خطف للابتزاز السياسي، خطف متبادل بين عصابات بهدف تحصيل مبالغ عالقة بينها، خطف ثأري بين مجموعات وربما عائلات، خطف بهدف التصفية الجسدية لأسباب مختلفة، خطف اطفال بهدف بيعهم، خطف اطفال في اطار تصفية حسابات بين زوجين منفصلين، خطف فتيات بهدف الزواج… الخ.
واذا كان مفهوم الخطف واحد بكل المعايير بغض النظر عما اذا كانت كل تلك الاسباب، ولو مجتمعة، تبرر خطف انسان وتعنيفه وإهانة كرامته الانسانية، واحتجاز حريته، وهي اغلى ما في الوجود، ام لا، يبقى اللافت ابتكار اللصوص طرائق جديدة في السطو على اموال الناس، ولا سيما الاغنياء والميسورين، فيخطفونهم بعد مراقبتهم، ثم يفاوضون ذويهم على مبالغ مالية كبيرة جدا لإطلاقهم، وهذه ظاهرة إن لم تكن جديدة في ذاتها، الا انها تكررت في الآونة الاخيرة، ما أوحى وكأنها "ظاهرة الموسم" وآفة العصر، ذلك لأن أكثر من 17 عملية خطف وقعت في هذا الاطار على كل الاراضي اللبنانية منذ اول العام 2011، لكن أكثرها دوياً كانت، وما تزال، تلك التي جرت على طريق المصنع – شتوره، والتي وصفت بـ"مصيدة" التجار السوريين لتعرضهم لأكثر من عملية خطف خلال فترة وجيزة.
وبغض النظر عن خطف الاستونيين السبعة على هذه الطريق إياها، والتي وصفت بأنها "عملية خطف سياسية مموهة بالابتزاز المالي" وفق ما قاله أمني مخضرم لـ"النهار"، فإن عددا من الأثرياء السوريين وقعوا ضحايا تلك المصيدة، بعدما حصلت عصابة الخاطفين، التي تدل كل المؤشرات الى انها هي نفسها، على مبالغ كبيرة من بعضهم، و"استطعم" افرادها، ما جعلهم يكررون فعلتهم كل فترة ويحصلون بنتيجتها على مبالغ خيالية.
من هنا ينطلق أحد السياسيين ليعلنها صراحة عبر "النهار" ان ما يحصل على طريق المصنع – شتوره ليس بريئا، ومن المؤكد ان ثمة تسهيلات معينة يقدمها أشخاص في المنطقة للخاطفين، وربما يكونون من الموظفين، والارجح انهم من الجانب السوري حيث توجد نقطتان للجمارك والامن العام السوريين، وقد يكونون من الجانب اللبناني ايضا حيث هناك نقطتان مماثلتان، اذ لا يعقل ان ينتظر الخاطفون سيارة معينة ومحددة سلفا، وقد لا تكون بحداثة وتطور وفخامة سيارات تمر قبلها وبعدها، من دون ان يعترضها الخاطفون الذين ينقضون على سيارات محددة سلفا ويخطفون ركابها الذين يتبين انهم من الاثرياء. فمن أين للخاطفين بهذه المعلومات الدقيقة؟
يجزم السياسي المشار إليه بوجود تنسيق في مكان ما واتصالات بين الخاطفين وشخص معين، يرجح انه من الموظفين على احد الحواجز الاربعة، لأن الموظفين وحدهم في إمكانهم تمييز الاثرياء من المارة بعيدا من نوع سياراتهم وحداثتها. ويخلص الى القول بضرورة تثبيت حاجز للجيش على هذه الطريق.
مصدر امني معني يرى ان معظم هذه العمليات تقوم بها عصابة معروفة من قطّاع الطرق، والاجهزة الامنية تعرفها بالاسماء وترصدها بدقة، لكن افرادها موجودون في بؤرة معينة هي ساحة للطفار والمطلوبين تاريخيا. وعليه فقد باتت تشكل حساسية معينة تراعيها الاجهزة، لكن افراد هذه العصابة تمادوا كثيرا وبات الامر يحتاج حلا جذريا، وصار من واجبنا الملحّ ان نضع حدا لهم، ولم يعد في إمكاننا ان نتحملهم أكثر من ذلك، ومن غير المسموح ان يستمر الوضع على ما هو عليه، وبالتالي لدينا خطة ونعمل على انهاء هذه الظاهرة قريباً لكي لا يستباح البلد.
بمراجعة عمليات الخطف التي حصلت على طريق المصنع – شتوره حصرا منذ بداية العام 2011 وحتى تاريخه يتبين ما يأتي:
في 23 /3/ 2011 خطف مجهولون، يستقلون حافلتي فان وسيارة مرسيدس، سبعة استونيين كانوا يستقلون دراجات هوائية آتين من دمشق عبر طريق دير زنون، بعدما رموا دراجاتهم الى جانب الطريق التي تربط دير زنون بالمدينة الصناعية لزحلة.
والمخطوفون هم: بريت رايستيك، اوغست تللو، ماديس بالوجا، مارتن ميستبال، كاليف كيوسار، جان جاتوماجي، اندريه باك.
بعد أشهر تم تحرير الاستونيين بنتيجة مفاوضات شاركت فيها السلطات الاستونية والفرنسة والسورية واللبنانية، في اطار صفقة بقيت مكتوفة التفاصيل.
في 26/ 8/ 2011 خُطف رجل الاعمال السوري المهندس محمد ايمن بشير عمّار (52 عاما)، ومحاسبه السوري نور جميل الحاج قدورة (32 عاما) على الطريق الدولية في بلدة بر الياس بقضاء زحلة، بينما كانا متوجهين الى لبنان في سيارة "جاغوار" يقودها سائق عمّار اللبناني خليل صالح آغا من بلدة الطفيل. وبوصول السيارة الى بر الياس صدمتها سيارة "مورانو" سوداء واعترضت طريقها، واقتاد 3 مسلحين كانوا في الجيب عمّار وقدورة الى جهة مجهولة، وتركوا خلفهم "الجاغوار" وسائقها.
وتبين ان عمّار صاحب استثمارات في سوريا ولبنان، وهو شريك في شركة "ايلا" لمواد منع النش والبناء في الاشرفية، ويملك شركة اقمشة وصالة عرض في متجر لبناني شهير.
في اليوم التالي تلقت زوجة عمّار في سوريا اتصالا من الخاطفين وطلبوا فدية مقدارها خمسة ملايين أورو.
في 5/ 2/ 2012 أَفرج الخاطفون عن رجل الاعمال السوري محمد غياث الجابي، الذي كانوا خطفوه قبل اربعة ايام على طريق المصنع – دير زنون بسيارة "ب ام ف"، ولم يتعرضوا لسائقه.
الجابي ترك على طريق رياق – بعلبك في مقابل فدية مالية قدرت بمليون ليرة سورية ومصاغ ذهبي لزوجته، بعد مفاوضات أجريت مع الخاطفين من دون ابلاغ الاجهزة الامنية.
عملية الخطف الثالثة خلال اقل من 6 اشهر كانت في 11 شباط الجاري، حين اطلق مسلحون يستقلون سيارة جيب "انفوي" خضراء النار على جيب "مازدا" اسود يحمل لوحة سورية، بعد اعتراض طريقه على طريق عام تعنايل قرب جسر الاوتوستراد العربي، وخطفوا من كانوا بداخله، وهم الاشقاء الثلاثة هشام (45 عاما)، وعماد (46 عاما)، واسامة عبد الرؤوف (50 عاما) والعامل لديهم خالد عبد السلام الحمادة (23 عاما).
في اليوم الثاني اطلق الخاطفون اسامة على طريق ابلح – النبي أيلا، بعدما طالبوه بفدية قدرها مليونا دولار لقاء تحرير شقيقيه وعاملهما، كما زودوه رقم هاتف خليوي سوري للاتصال به… وقد تكون للمسلسل تتمة !