#adsense

الرؤية الكلينتونية: القلق من المتشددين يستدعي إسقاط النظام

حجم الخط

أن يكون التيار الاسلامي قد استطاع انتزاع مغانم برلمانية واسعة حيثما جرى الاحتكام الى صندوق الاقتراع تحت تأثير الربيع العربي، فليس ذلك بتفصيل، ولا هو بحدث عابر، او تحد سهل، او مسار مضمون.
وقد يطيب لليبراليين والتقدميين العرب التخفيف من وطأة ذلك، بالقول انه المخاض، وان الواقع يخيٌر الاسلاميين بين اصلاح في العمق لطريقتهم في تناول ومعالجة المسائل وبين اعداد العدّة لتجاوزهم في اتجاه اكثر ليبرالية وحداثية، وان اوضاع الناس الحياتية واليومية هي التي ستضع معشر اللاجئين الى احياء "التراث" أمام الاسئلة الملحّة للواقع.

لكن ما يحاول به ليبراليو "الربيع" طمأنة أنفسهم، لا يتقاسمه معهم ليبراليو الغرب، وهؤلاء تمثلهم خير تمثيل مواقف وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون. في مقابل المقاربتين التفاؤلية المحض والتشاؤمية المحض بصدد الربيع العربي في الغرب، تبدو كلينتون أقرب الى التفاؤل "النقدي": الأنظمة التي تقتل أحرار شعوبها بل أعداداً طائلة ينبغي أن تسقط، ودرجة القمع هي معيار درجة ضرورة اسقاط هذا النظام أو ذاك. في المقابل، الشعوب الثائرة فتحت جدياً الطريق أمام تداول وتوزّع السلطة في العالم العربي، وزوال الأنظمة الاستبدادية يفتح امكانيات كثيرة امام مستقبل العلاقة بين العالمين العربي والاسلامي من جهة وبين الغرب والعالم من جهة ثانية. الا ان ذلك لا يعني ان المجتمعات التي قامت فيها ثورات الربيع هي مجتمعات متعافية، أو متماسكة، ولا يعني ان التوترات الاثنية والدينية قد اصبحت وراءنا، او ان المجتمع المدني قد ترسخت قيمه، وتكاملت وظائفه، او ان المرأة نالت حريتها. ومن هذا المنظار، لا تتعامل النظرة الكلينتونية مع الانتفاخة البرلمانية للتيار الاسلامي على انه ضمانة لاصلاح هذا التيار، ولا على انه تهديد لمسار التحول الى الديموقراطية، ولا هي تترك الامور للصدف، لانها تدرك جيداً حجم المزايدات الشعبوية، ضمن هذا التيار، بالاضافة الى ان كل وضع "ثوري" هو وضع حافل بالمزايدات. صحيح ان كلينتون تخطىء بعدم ملاحظة فوارق نوعية بين فروع مختلفة للحالة الاسلاموية العامة، لكنها في الاساس تدرك ما لا يريد الليبراليون العرب ادراكه: ليست الامور عندها ببساطة ان الاسلاميين تأتي بهم صناديق الاقتراع ثم تنحيهم جانباً.

للسبب نفسه فان الرؤية الكلينتونية للربيع العربية، التي تظهر قلقها من الجانب الشعبوي من هذا الربيع، لا تبرر اللجوء الى اي وسيلة غير ديموقراطية للاحتماء من الربيع نفسه. هي مثلا لا تساير المجلس العسكري في مصر. على العكس تماما، ترى هذه الرؤية ان كل ما كان سقوط بقايا النظام الاستبدادي الجمهوري "القديم" في العالم العربي سريعا، كلما كانت المجتمعات العربية من جهة، والحكومات الغربية من جهة اخرى، في وضع افضل بازاء النزعات الشعبوية او تلك المتطرفة، وبازاء التوترات الاثنية او المذهبية، او بازاء قضية المرأة. وفي المقابل، فانه ونظرا لجدية "التحدي الاسلامي" نفسه فأي تعنت من جانب بقايا "النظام القديم" من شأنه زيادة الوطأة.

هذا ينطبق تحديداً على الحالة السورية. كلما كان اسقاط او ترحيل طاغيتها سريعاً، كلما كان تحاشي الانزلاق الى ما لا تحمد عقباه ممكناً، وبشكل افضل. هنا اذاً اساس الاختلاف بين الديبلوماسيتين الاميركية والروسية في الموضوع السوري. اميركا "تشاطر" روسيا "خوفها" من الاسلاميين، لكنها تستنج من ذلك ان المعالجة تبدأ بالضغط لخلع الطاغية. روسيا "تشاطر" اميركا في ان لا مستقبل لبشار الاسد، لكنها ترى ان افضل حل لابعاد المتشددين، هو مزاوجة "النصف الصالح من النظام" مع "النصف الصالح من الثورة".

الرؤية الكلينتونية اذاً: القلق من المتشددين هو سبب اضافي للتعجيل باسقاط النظام، لكنه سبب كاف للتردد ايضا حيال اساليب دعم الثوار. الا انه تردد محدود بأمرين: تحول موضوع التدخل في سوريا الى اوسع مطلب شعبي سوري وعربي واسلامي. استمرار تصدع البنية العسكرية للنظام رغم عدم حصول هذا التدخل او غياب اي افق امامه. في الموضوع مفارقة اذاً: الثورة التي بدأت رافضة لاي تدخل او تدويل، صارت قابلة بل مطالبة بهما. والولايات المتحدة، صاحبة الباع الطويل في "التدخل" مطمئنة الى ان بشار الاسد ساقط حتى "من دون جميلتها".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل