#dfp #adsense

جوبيه يجسّد تطلعات المسيحيين المشرقيين

حجم الخط

إعتبر وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه «أنّ من مصلحة مسيحيي الشرق أن يشاركوا في التطوّرات التي تشهدها بلدانهم»، ودعاهم إلى «عدم الالتفات لمناورات الاستغلال التي تمارسها أنظمة ديكتاتورية منقطعة عن شعوبها»، وشدّد على أنّ «الحماية الافضل لمسيحيي الشرق والضمان الفعلي لاستمرار وجودهم يكمنان اليوم في إرساء الديموقراطية ودولة القانون في البلدان العربية»
 
يعبّر موقف جوبيه عن فهم حقيقيّ لدور المسيحيين المشرقيين، ويعكس دقة في التعبير والتوصيف، ويعيد الاعتبار لهذه الجماعة المنسية والمغيّبة عن أولويات السياسات الدولية الجديدة، ويظهر فهماً عميقاً لأبعاد الربيع العربي ومؤدياته، ويخالف كل نظريات ما يسمّى التخويف والمساومة وتقطيع المرحلة وتحميل المسيحيين أكثر من طاقتهم على الاحتمال.

ولا يمكن وضع هذا الموقف إلا في خانة الموقف التاريخي، وربما الفريد من نوعه، حيث لم تعد "المسألة المسيحية" مطروحة بالنسبة إلى المجتمع الدولي، وحتى الفاتيكان الذي لم يقارب الثورات العربية ودور المسيحيين فيها بالجرأة التي قاربها المسؤول الفرنسي، فضلا عن أن هذه اللغة التي تحمل عنفوانا وعزما وصلابة لم تعد موجودة ومستخدمة سوى من قبل المسيحيين اللبنانيين، وبالكاد في ظل وجود فئة التحقت بالنظام السوري واستسلمت لمشيئة السلاح والترهيب والقوة والمصالح الفئوية، وفئة أخرى غير معنية أساسا بكل ما يجري حولها وأولوياتها حياتية واقتصادية وعلى طريقة "كل مين أخذ أمي صار عمي"، وفئة ثالثة تريد تحييد نفسها والتموضع على مسافة واحدة من القوى والأحداث الحاصلة، وفئة أخيرة لطالما اعتبرت نفسها مؤتمنة على قضية ومشروع ورسالة، هذه الفئة التي استطاعت وحدها عبر التاريخ أن تضع المسيحيين في قلب المعادلات وليس على هامشها، وأن تجعل منهم حالة يحسب لها ألف حساب.

وانطلاقا من ذلك، يقف المسيحيون أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تكون الجماعة المسيحية معنية بكل ما يجري من حولها، ولها من كل قضية موقف ورأي، وإما أنها مستقيلة من دورها تحت عنوان "النأي بالنفس"، ولكل خيار في النهاية تبعاته وأبرزها أن تحييد المسيحيين المشرقيين أنفسهم عن الأحداث أدى بالنتيجة إلى زوالهم أو جعلهم بالحد الأدنى غير مؤثّرين وهامشيين وعلى "رصيف" الأحداث السياسية، فيما المواجهات التي خاضها المسيحيّون اللبنانيّون على مرّ الحقبات والعهود جعلتهم دوما رقماً صعباً وفي صميم القرار السياسي.

وهذا العنفوان المسيحي اللبناني تحديدا هو الذي مكّنهم من انتزاع الامتيازات لـ"جبل لبنان" من السلطة العثمانية، وكان وراء ولادة لبنان الكبير وإسقاط مشروعي "الدولة البديلة" و"الدولة الملحقة". ومعلوم أنه في طليعة الأهداف السورية كان كسر إرادة المسيحيين المتمثلة في تمسكهم بالحرية والسيادة بغية إبقاء لبنان تحت نير الوصاية.

ولعلّ أهمية موقف جوبيه أنه يجسّد هذا العنفوان المسيحي بالذات، فهو يكاد يكون المسؤول الأول في العالم الذي يدعو المسيحيين صراحة إلى المشاركة في الثورة في سوريا، وعدم الخضوع لأي ابتزاز ومقايضة تبقيهم مشلولي الإرادة وخاضعين لسلطة ديكتاتورية ومواطنين درجة عاشرة، فضلا عن تشخيصه الدقيق لاستمرارية الوجود المسيحي في هذا الشرق والذي شرطه الأساس "إرساء الديموقراطية ودولة القانون".

إنّ أقلّ ما يقال في كلام جوبيه إنه يشكّل وثيقة سياسية يجب أن تضاف إلى الوثائق المؤسّسة لتاريخ هذه الجماعة وثوابتها ومسلّماتها في الدفاع عن القيم والحريات وحقوق الانسان والعدالة والعيش الحرّ والكريم.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل