منذ أسبوع عبرت بارجتان حربيتان إيرانيتان قناة السويس باتجاه البحر الأبيض المتوسط، لترسوان في ميناء طرطوس السوري؛ ما أثار ردود فعل عدة من قبل الدول الغارقة والفاعلة في أزمات الشرق الأوسط، وعلى رأسها إيران، إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. كيف بدت صورة الحدث إعلامياً؟ وما هي مؤشراته العسكرية؟
1- إيران: استغلت إيران وصول بارجتيها إلى شرقي المتوسط، لترفع لهجة التحدي، وتوجه رسالة إلى الشعب الإيراني ومؤيديها في الشرق الأوسط لتقول: إنه أصبح لديها قوة بحرية تعمل بعيداً فوق البحار الدولية، يمكنها الدفاع عن مصالح إيران الحيوية. هذا الموقف لا معنى عسكرياً له بنظر المحللين؛ إذ إن وصول بارجتين إلى شرقي المتوسط لا يبدل شيئاً في موازين القوى العسكرية بين إيران وأعدائها المحتملين في المنطقة. إذ يكفي أن تحلق إحدى الطائرات الحربية لمرة واحدة فوق البارجتين لتغرقهما في أعماق البحار؛ علماً أنه منذ حوالى شهر تقريباً، تعرض زورق إيراني للغرق في مياه الخليج قرب الشواطئ الإيرانية، فأنقذ طاقمه من قبل البحرية الأميركية. كما تعرض زورق إيراني آخر، منذ شهرين، للغرق في مياه بحر العرب، قرب الشواطئ الإيرانية، فأنقذ طاقمه أيضاً من قبل البحرية الأميركية الناشطة في المنطقة. فكيف يمكن لدولة مثل إيران، أن تتبجح بأنها أصبحت قوة بحرية إقليمية قادرة على الدفاع عن مصالحها، بينما هي عاجزة عن إنجاد زوارق لها قريبة من شواطئها؟!! إذن ما الهدف من إرسال الباجتين؟
أهداف عدة . لكنها لا تبدل في التوازن الإقليمي:
السبب الأول: تدريبي، لأن القوى البحرية في العالم تجوب البحار للتدريب؛ وهي بحاجة إلى موانئ للتزود بالوقود، وتأمين اللوجستية. وقد عقد اتفاق بين دمشق وطهران لهذه الغاية؛ كما قامت قوى بحرية إيرانية بزيارة لميناء طرطوس في شهر شباط من العام الماضي للمرة الاولى وفقاً للإتفاقية.
السبب الثاني: توجيه رسالة إلى الرأي العام الإيراني، وحلفاء إيران في المنطقة، وإيهامهما، بأن إيران أصبحت قوة "عظمى"؛ لأن معظم الناس، خارج حلقة المحللين العسكريين، لا يدركون الوزن العسكري الحقيقي لهكذا بارجتين في المتوسط، والذي قد لا يرتفع فوق الصفر بقليل.
السبب الثالث: قد يكون نقل بعض الأسلحة والذخائر إلى الجيش السوري في طرطوس. أما القول ان وجود البارجتين قد يعزز البحرية السورية، فهو كلام غير ذي معنى عسكري؛ لأن البحرية العسكرية السورية لا دور لها بما يجري من ثورة على النظام داخل سوريا؛ كما أن هذه البحرية لا تبحث عن توازن بحري مع أي قوة بحرية عاملة فوق مياه الحوض الشرقي للبحر المتوسط، على الأقل، خلال فترة الثورة. ويبقى السؤال: لماذا ارتفعت لهجة إسرائيل التحذيرية إذا كان وجود البارجتين الإيرانيتين لا يشكل تهديداً لها؟!
2- إسرائيل : كعادتها، تستغل إسرائيل أقل الحوادث أهمية، أو أي تحرك عسكري، لتظهر بمظهر الضحية المهددة… إسرائيل تدرك أن وجود البارجتين قبالة شواطئها، لا يشكل أي تهديد عسكري لها؛ لكنها تتخذ من وجود إيران العسكري في المتوسط، ولو ضعيفاً أو هزيلاً، لتقول للعالم إنها مهددة. وهي تدرك جيداً أنه ليس من مصلحة إيران، أو مقدورها، التحرش بها بواسطة البارجتين المعزولتين "الغارقتين" سلفاً بالمعنى العسكري؛ ولأن طهران يمكنها تحريك أوراق أخرى، أكثر مرونة وأقل ضرراً للتحرش بها؛ وعلماً أن إيران تتعمد حالياً تجنب المواجهة مع إسرائيل خارج إطار الإعلام. وجل ما تهدف إليه إسرائيل هو إثارة الأسرة الدولية التي أدانت أعمال النظام السوري في الأمم المتحدة ( 137دولة)، ضد إيران التي تؤيد النظام. ويبقى السؤال الأخير: لماذا أعربت واشنطن عن قلقها؟
3- الولايات المتحدة الأميركية: تسهر واشنطن منذ عقدين على إدارة النظام العالمي الجديد. هي تدرك صعوبات الأزمة المستعصية حالياً بين طهران والأسرة الدولية، خصوصاً بين طهران وتل أبيب حول البرنامج النووي الإيراني. لذلك تحاول واشنطن ضبط التشنج بين الدولتين، ومنع انفلات الأمور، على أن تحتفظ هي، أي واشنطن، لنفسها بالتحكم بالحوادث الكبرى: كضرب المنشآت النووية الإيرانية. والزيارات المتكررة لمسؤوليها إلى تل أبيب مؤخراً تصب في هذه الإتجاه.
بارجتان في المتوسط لا يبدلان قيراطاً في موازين القوى العسكرية، تستغلهما إيران لإيهام شعبها وحلفائها بأنها أصبحت قوة إقليمية "عظمى". تستغلها إسرائيل لتعزيز صورتها كضحية وتأليب العالم على إيران. بينما تعمل واشنطن على ضبط الإيقاع والتحكم بالحوادث. إنها النتيجة الواقعية للزيارة.