تُخاطَبْ سلطة الأسد بلغة "دولية" لا تفهمها.. فهي لها لغتها الخاصة، وفيها ردّ مختصر وشديد الوضوح على كل مطوّلات التبليغ في أي لهجة حُكيت وبأي لكنة قيلت!
.. لغة مبنية على قواعد ثابتات، أهمها وركيزتها الأولى والأكيدة هي القوة، وما تعنيه من حواشي عنف لا قعر له. ولذلك يضجّ العالم كيفما يشاء، وتهطل كالمطر الإدانات الإنسانية والأخلاقية والسياسية وتصطحب معها كميات لا بأس بها، من قرارات عقابية وزجرية في الديبلوماسية والاقتصاد والمال والتجارة، ومع ذلك فإن شعرة واحدة لا تتحرك في رأس قمة تلك السلطة.
ومن البداية والجذور، جاءت تلك النبتة. والملف المنشور في هذه الجريدة عن "البعث" السوري ليس إلاّ تأريخاً سريعاً وموجزاً لسلسلة وقائع ترتبط في مجملها بفكرة مركزية واحدة هي اعتماد لغة القوة والعنف قبل الوصول، وفي الوصول وبعد الوصول الى القبض على سوريا وشعبها.. عنف فظّ لا لياقة فيه ولا أدب ولا خفر، ولا دالّة واحدة من دلائل التربية البيتية والعائلية الحسنة والصحيحة! ومثل صنوه "بعث" العراق، قبض "بعث" سوريا على النظام والناس وأمعن فيهما نكشاً وتأسيساً وزرعاً وسقاية لتلك النبتة الإلغائية. وعندما حان وقت الحصاد، بانت الدنيا عن مخزونات عنف راكمها عنده وعند ضحاياه على حد سواء!
.. عندما حشد الجيش التركي في أواخر تسعينيات القرن الماضي قواته على الحدود السورية موجهاً الإنذار الأخير الى سلطة الأسد الأب للتوقف عن دعم "حزب العمال الكردستاني".. وتأكدت تلك السلطة من أن البطاقة الحمراء رفعت فعلاً في وجهها، تحركت بسرعة قياسية وأقفلت مقرات الحزب الكردي في سوريا والبقاع الغربي اللبناني، واستدعي الصحافيون على عجل "للتأكّد" من ذلك، وطُرِدَ زعيم الحزب عبدالله أوجلان الى خارج سوريا، الى أن وقع أسيراً في أيدي وحدة خاصة تركية أحضرته بالطائرة من دولة إفريقية الى السجن حيث لا يزال فيه.
في غضون أربع وعشرين ساعة فقط، تكفّل التلويح الأكيد باستخدام القوة (وليس استخدامها) في حل قضية كان عمرها آنذاك أكثر من 24 عاماً!
غارات جوية عدة، على مدى السنوات الماضيات، نفّذتها إسرائيل ضد مواقع داخل سوريا، ومنها موقع ما قيل إنه مشروع بناء محطة نووية في منطقة دير الزور، ولم يردّ النظام، بل بقي سابحاً في بحر مزايداته وتجارته الممانعة والمقاومة.. عن بُعد!
سقف المناورات السياسية وغير السياسية لنظام الأسد في مرحلتيه، هو البقاء خطوة واحدة قبل دفع الخصم أو العدو (الأقوى) الى استخدام القوة.. كل شيء آخر مسموح تحت ذلك السقف، المهم أن لا يتم الاصطدام به فتتكسر الرؤوس ويُنتف ريش الأجنحة المتمددة خارج قفصها.
يعرف المعنيون شرقاً وغرباً، تلك الحقائق أكثر منّا. ومع ذلك كان تجاهلها ولا يزال، مدعاة لانتعاش قصة "التواطؤ" لمصلحة سلطة الأسد وليس ضدها! حتى مجرّد التلويح باستخدام ذلك المعطى، كان كافياً لدفع تلك السلطة الى التوقف عن استباحة دماء السوريين الأحرار بهذه الطريقة الإجرامية، لكن جرى ويجري العكس! وحمص شاهدة وشهيدة!
كم سيسقط من ضحايا بعد، قبل أن ينتهي البازار المفتوح على تحديد "هوية" و"طبيعة" من سيخلف الأسد وسلطته في حكم سوريا، وبالتالي قبل أن يبدأ "الحكي" مع تلك السلطة باللغة التي لا تفهم سواها!؟