Site icon Lebanese Forces Official Website

المؤشرات المتضاربة وتأثيرها السلبي

ان ما يحتاج اليه لبنان، وما يريده اللبنانيون، هو تحقيق معدلات نمو تعزز التفاؤل بالمستقبل وتفتح مجالات فرص العمل للشباب، الامر الذي لن يحصل ما لم نستعد القدرة على تحقيق فوائض على حساب ميزان المدفوعات ناتجة من ارتفاع ارقام الاستثمارات المباشرة في لبنان وتحويلات اللبنانيين العاملين بنجاح في الخارج.

الشرط الاساسي لتحفيز الاستثمار توافر بيئة مشجعة لقطاع الاعمال ونظام قضائي سريع وفعال لحل الخلافات، كما ان ثمة حاجة الى ابعاد شبح مخاوف المشاحنات السياسية وامكان تحولها صدامات تتسبب بالخراب على نطاق واسع وتقوي نزعة التسلط بالقوة على مجريات الحياة سواء منها الحياة الاجتماعية ام النشاط الاقتصادي المتنوع.

حالياً ليس ثمة ما يبشر بتحقق الشروط التي تشجع على تدفق الاستثمار، وتاليا تحقق فوائض على حساب ميزان المدفوعات وارتفاع وتيرة النمو. هنالك مؤشر واحد يتبدى في الربع الاخير من السنة المنصرمة، وقد ساهم في رفع معدل زيادة الودائع عما كان في الاشهر التسعة الاولى، وهذا المؤشر تمثل في تغطية بعض حاجات السوريين لاستيراد منتجات اساسية عبر لبنان، منها مشتقات نفطية، وزيوت للسيارات، وادوية، ومواد اولية ضرورية للتصنيع الخ. وفي تقديرنا ان نتائج هذه العمليات ظهرت في تحسن مؤشر الاداء الاقتصادي العام من غير ان تظهر النتائج المالية بصورة كاملة لان غالبية العمليات انجزت نقداً.

ان الفرص المتاحة والناتجة من حاجات السوريين تساهم في تحريك الاقتصاد انما الى مستوى معين من الاداء يجعلنا نتوقع معدل نمو بنسبة 4-5 في المئة سنة 2012، والمطلوب تحقيق ارتفاع هذه النسبة الى 7-8 في المئة من اجل استعادة زخم النمو الحقيقي، وهذا الأمر لسوء الحظ لن يحدث ما دام التباين في النظرة الاقتصادية والمواقف من مسيرة العمل الحكومي على مستوى من الاختلافات لا يبشر ببزوغ شمس التوافق على ما هو منتج ومفيد.

وزير السياحة الذي نحترم قدراته ونعرف مدى التزامه يشكو من ان هنالك ابناء ست وابناء جارية، ويقول ان الزراعة تحظى بموازنة تبلغ 350 مليار ل.ل. بالطبع الوزير المسمى من التيار الوطني الحر يشكو من الحظوة التي ينالها الوزير المسمى من حزب الله، والمفترض ان الوزيرين ينتميان الى التوجه ذاته.

التباين يعود الى طغيان انطباعات عن النشاط الاقتصادي تتحول فلسفات منهجية من دون تقويم واقعي. فالمنهج الذي يتمسك به وزير الزراعة، ويكافح لتحقيقه، وهذا لمصلحته مهنياً، هو ان الاقتصاد الحقيقي يتمثل في الزراعة والصناعة، وكل ما تبقى من نشاطات اقتصادية وابتكارية لا قيمة لها.

في المقابل، يرى وزير السياحة ان الخدمات السياحية هي على صعيد الدخل القومي اكبر اهمية من قطاع الزراعة والخدمات السياحية يمكن زيادة حجمها وتأثيرها بالاعلام عنها والتسويق لزيارة لبنان والعمل فيه وانطلاقاً منه، لكن مخصصات وزارة السياحة تساوي فقط الموازنة الاعلانية للأردن، البلد الذي لا يزيد حجم اقتصاده عن نصف حجم الاقتصاد اللبناني.

لغة الاستهتار بالخدمات، والتي تشكل نسبة 70-75 في المئة من حجم أي اقتصاد متطور في العالم، ترتبط الى حد بعيد بالتفكير الماركسي الذي تركز على مظهر الانتاج الفيزيكي ولم يول الخدمات حقها من الانتباه فكرياً وعقائدياً.

لبنان عاش ويعيش على نشاطات الخدمات سواء منها التي طورت في البلد ام انتشرت في الشرق الاوسط وافريقيا وجنوب اميركا على ايدي اللبنانيين.
اللبنانيون بارزون في مجالات التعليم، وشبكات الاتصالات، والتطبيب، وبرامج المعلوماتية، والخدمات الفنية والقانونية والمحاسبية والهندسية، وفي مجالات انتاجية زراعية وصناعية، مع العلم ان المساهمة اللبنانية في تطوير النشاط الزراعي والصناعي في الخارج لا تزال دون دور الخدمات.

القناعات المتباينة النظرة الى الشأن العام داخل الحكومة لا تنحصر بين وزراء الخدمات ووزراء ما يسمى القطاعات المنتجة، بل تتبدى بين منهجية وزراء اعمالهم تمثل مراكز عصب اساسية في جسم الاقتصاد والمجتمع اللبناني، ووزراء يمارسون اعمالاً بالغة الاهمية، لكنهم لا يعتبرون ان آفاق تطلعاتهم يحددها وزراء مراكز العصب الاساسية.

وقد ظهر هذا التباين بوضوح بين وزير المال محمد الصفدي ووزير الطاقة جبران باسيل. ولا شك في ان اسناد وزارة المال الى محمد الصفدي، كان بمثابة تحميل المسؤولية الاثقل لرجل يتمتع بالصفات والخبرات المطلوبة. ووزير المال قام ولا يزال بعمله على شكل جدي وقد نخالفه في تطلعاته لزيادة الضرائب من اجل ضبط نسبة العجز، لكننا نرى انه يسعى الى تأمين توازن مفيد بين ابواب الجباية والانفاق.

في المقابل، الوزير باسيل ملح في طلباته، وهو يكرر ان الفريق الآخر-أي كل من ليس معه – مسؤول عن تردي اوضاع الكهرباء، وهو نشط لوضع برنامج لن يكون اكثر من تعويض هذا الصيف للنقص المتوقع في انتاج معملي الزوق والجية لاغراض الصيانة، ويتناسى او يتغاضى عن ان وزارة الطاقة في ايدي وزراء لا ينتمون الى فريق 14 آذار منذ عقد او اكثر.

الفترة الحريرية التي ينتقدها أفرقاء في الحكم اليوم كانت حريرية بالفعل ما بين 1993 و1998 تاريخ انتخاب الرئيس اميل لحود الذي شاء التعاون مع الرئيس الحص، المشهود له بالنزاهة.
السنوات الخمس لقيادة رفيق الحريري، شهدت تجهيز لبنان بمليون خط هاتفي ثابت، واطلاق خدمات الخليوي، وانجاز معامل طاقتها لانتاج الطاقة 990 ميغاوات، وانجاز مطار بيروت، وشق الطريق المختصر منه واليه، وانجاز مستشفى بيروت، واعادة تأهيل اكثر من 1300 مدرسة ومؤسسة حكومية، واعادة تطوير وسط بيروت، واقرار نظام هيئة “اليسار” لتطوير الاراضي الواقعة جنوب المدينة الرياضية والممتدة حتى البحر والاوزاعي والتي تبلغ مساحتها ثلاثة اضعاف مساحة الوسط التجاري ناهيك بمساعدات التعليم الخاص التي اعتبرها بمثابة موجب اجتماعي انساني حمله على كتفيه حباً بلبنان.

خلال خمس سنوات حقق رفيق الحريري – على رغم كل الانتقادات والمآخذ-ما لم يحققه السياسيون اللبنانيون بين 1943 و1975. ولن نشير الى ما تحقق خلال السنوات الاخيرة لاننا نبحث عن الانجاز فلا نراه. فان كان الانجاز مخفياً كيف لنا ان نتفاءل والخلافات الوزارية على صعيد النظرة الاقتصادية العقائدية متفشية بين وزراء التوجه الواحد.

Exit mobile version