"انقسمت سوريا بلدين للمرة الأولى منذ استقلالها: الأول "سوريا الثورة الشعبية" الرافضة الحكم المتسلط والساعية الى إقامة نظام ديموقراطي تعددي، وقد إكتسبت خلال أشهر قليلة وجوداً مهماً سياسياً وديبلوماسياً وشعبياً وإعلامياً في الساحتين الإقليمية والدولية وبدلت المعادلات الداخلية والخارجية، فلقيت دعماً أساسياً متعدد الجانب من تجمع إقليمي – دولي يضم 70 دولة ومنظمة إقليمية وعالمية يحمل إسم "المؤتمر الدولي لأصدقاء الشعب السوري" ويعمل من أجل تغيير نظام الرئيس بشار الأسد، وينوي بعد إجتماعه الأول في تونس عقد إجتماعين آخرين في إسطنبول وباريس لضمان نجاح عملية الإنتقال السلمي للسلطة السورية. الثاني "سوريا الأسد" التي تخوض معركة شرسة مع شعبها المحتج وتواجه عقوبات متعدّدة وعزلة وحصاراً في الساحتين الإقليمية والدولية على نحو غير مسبوق، وتلقى دعماً من تجمع يضم روسيا والصين وإيران يستطيع توفير مساندة لخيارها العسكري – الأمني لكنه يعجز وحده عن إيجاد حل سياسي مقبول داخلياً وخارجياً ينهي الأزمة الخطيرة". هكذا لخص مسؤول غربي بارز الوضع في سوريا، موضحاً ان هذا التجمع الإقليمي – الدولي الكبير يعطي شرعية واسعة للمعركة التي تخوضها الدول الإقليمية والغربية البارزة مع نظام الأسد وانه اتخذ أربعة قرارات رئيسية في مؤتمر تونس هي الآتية :
أولا – ترفض الدول المعنية أن يكون الرئيس بشار الأسد جزءاً من أي صفقة لحل الأزمة لأنه المسؤول الأول عما جرى ويجري ولأن إصلاحاته شكلية ومرفوضة داخلياً وخارجياً، بل إن إنقاذ سوريا وتحقيق الحل السياسي – السلمي لأزمتها يتطلبان وقف الخيار العسكري – الأمني وتخلي الرئيس السوري عن السلطة من طريق تسليم صلاحياته الكاملة الى نائبه فاروق الشرع الذي ستقتصر مهمته على التفاوض مع المعارضة وممثلي الثورة الشعبية، وفي إشراف عربي – دولي مناسب، على مرحلة إنتقالية تمهد لإقامة نظام جديد ديموقراطي تعدّدي يرتكز على التداول السلمي للسلطة من طريق انتخابات حرّة وشفافة.
ثانياً – تكريس الثورة الشعبية عاملاً أساسياً في خطة إنجاز الإنتقال الى نظام جديد لأنها ثورة شرعية سلمية حقيقية تعكس تطلعات الغالبية العظمى من السوريين وآمالهم، وأي حل يجب أن يهدف الى تحقيق مطالبها المشروعة في الإصلاح والتغيير. والمعارضون الذين حملوا السلاح هم في حال دفاع مشروع عن النفس وسيلقون دعماً سرياً متزايداً على صعيد التسلح والتدريب والتمويل إذا لم يرضخ نظام الأسد لمطالب الشعب المحتج والدول المعنية بمصير سوريا.
ثالثاً – قرر هذا التجمع الإقليمي – الدولي مواصلة معركة سياسية – ديبلوماسية – إقتصادية – مالية – إعلامية مع نظام الأسد من أجل إنجاز التغيير وإقامة سلطة جديدة في سوريا يتمتع فيها المواطنون بحقوق متساوية. وهذه المعركة ستكون مؤثرة وستحقق أهدافها دونما حاجة الى تنفيذ عملية عسكرية أو تكرار التجربة الليبية لأن نظام الأسد خسر في المواجهات مع شعبه المحتج حلفاء وأصدقاء أساسيين والكثير من عناصر قوّته في الداخل وتقلص موقعه ودوره ونفوذه الى أدنى حد في المنطقة وفي الساحة الدولية وصارت الدول العربية والغربية البارزة معادية له وتصر على رحيله. وقد أوقع الأسد نفسه ونظامه وبلده في مأزق بالغ الخطورة لن يستطيع الخروج منه والحفاظ على السلطة في وقت واحد لأنه عاجز عن حل الأزمة عسكرياً وعاجز عن حلها سياسياً.
رابعاً – كرس التجمع الإقليمي – الدولي في تونس رسمياً الدور القيادي للمجلس الوطني السوري إذ انه إعترف به ممثلاً شرعياً للسوريين الساعين الى إحداث تغيير ديموقراطي سلمي وقرر دعم جهوده بوسائل متنوعة، فصار المجلس الوطني الشريك السوري الرئيسي للدول الساعية الى إنهاء حكم الأسد. وتمسكت الدول المعنية بمصير سوريا بضرورة توحيد جهود المعارضة، لكنها أبدت مرونة وواقعية في هذا المجال إذ انها تفاهمت في ما بينها على ان المطلوب ليس ضم كل القوى والتنظيمات والشخصيات المعارضة في الداخل والخارج في تنظيم واحد ووضعها تحت قيادة واحدة، بل ان المطلوب الإتفاق بينها وفي رعاية الجامعة العربية على برنامج عمل موحد ومبادئ مشتركة وعلى إيجاد آلية تنسيق بين كل الأطراف من أجل إنجاز التغيير الجذري في سوريا. وشدد المسؤول الغربي البارز على "ان العملية العسكرية الواسعة ضدّ نظام الأسد ليست واردة لأسباب متعدّدة، لكن الدول المعنية البارزة قد تتبنى خيارات عسكرية محدودة بالتعاون مع المعارضة لضمان حماية المدنيين أو لدفع النظام الى وقف حربه المدمّرة، إذا أثبتت التطورات المقبلة ان المعركة السياسية الضاغطة ليست كافية وحدها لتحقيق التغيير المطلوب في سوريا".