كتبت ريتا صفير في "النهار": مع تواصل شد الحبال دوليا حيال تبني خطة مساعدات انسانية لسوريا، ورفض دمشق السماح لمسؤولة المساعدات الانسانية في الامم المتحدة فاليري آموس بالدخول الى البلاد للاطلاع على حقيقة الاوضاع، تتواصل برامج المجتمع الدولي ومؤسساته الهادفة الى استيعاب اي تفاقم محتمل للازمة السورية وتداعياتها على دول الجوار، لا سيما لبنان والاردن والعراق.
وفي ظل تعويل غربي يتصدره رهان اميركي على تبدل محتمل في الموقف الروسي بعد الانتخابات، برز كلام وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون عن السعي الى إيجاد سبل لإيصال المساعدات الإنسانية إلى سوريا والمناطق الحدودية، داعية العالم الى ايلاء الازمة الاهتمام اللازم.
في الشكل، يبدو واضحا ان الدور الاساسي في هذا الاطار يبقى للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للامم المتحدة والتي تتابع الملف عن كثب، في ظل تنسيق وثيق مع الجهات المانحة والمؤسسات الدولية. الا انه بدا واضحا ان هذه الحركة تتزامن مع اعادة تفعيل بعض الدول والسفارات المحلية "اذرعتها" التنموية والانسانية عبر تنشيط اداء الوكالات المرتبطة بها، تحسبا لاي تدهور قد ينشأ نتيجة اندلاع الازمة وخصوصا على الجبهة السورية.
ويأتي في مقدم هؤلاء، سويسرا الدولة المعروفة بحيادها والراعية لاعمال اللجنة الدولية للصليب الاحمر والمضيفة لمجلس حقوق الانسان ومنظمات حقوقية وانسانية عدة.
والواقع ان جهود الديبلوماسية السويسرية ومؤسسات تابعة لها تنصب في المرحلة الراهنة على تفعيل استراتيجية تعاون اقليمية مع دول المنطقة للسنوات الثلاث المقبلة، ضمنها لبنان والاردن والعراق وسوريا. وتنطلق هذه الاستراتيجية من اعتراف بخصوصية كل هذه الدول والادراك الجيد للسمات التاريخية والجغرافية السياسية المشتركة بينها والتي تؤثر في سياق الاحداث الجارية.
وفي وقت تأتي مسألة اللاجئين والنازحين في مقدم هذه الاولويات، يبدو انها باتت تأخذ اوجها عدة، يتوجها "انخراط سويسري قوي" في القضية الفلسطينية عبر التعاون مع وكالة غوث اللاجئين وتشغيلهم "الاونروا"، كما يقول مدير مكتب التعاون الاقليمي في عمان بيت فون دانيكن في لقاء مع "النهار" خلال زيارة قصيرة له لبيروت، الى مساعدة اللاجئين العراقيين في سوريا والاردن، ومتابعة شؤون النازحين السوريين في لبنان والاردن. عمليا، تحرص سويسرا التي تجمعها اوجه شبه عدة بـ"بلاد الارز" على بلورة خطة تزاوج بين المساعدات التنموية والانسانية. غير ان تبدل الاوضاع ولا سيما في ظل "الربيع العربي" بدل التوجهات. وبذلك، طغى الملف الانساني على ما عداه، نتيجة العنف والاعمال الدموية التي تشهدها سوريا.
وتزامن اعلان دول غربية عدة قفل سفاراتها في دمشق وخفض عديد بعثاتها، مع انتقال الوكالات والاذرعة التنموية الملحقة بالسفارة السويسرية الى عمان للاسباب الامنية نفسها. ويتركز العمل راهنا وفقا لدانيكن على دعم منظمات كبرى كاللجنة الدولية للصليب الاحمر لايصال المساعدات الى الداخل السوري: "الوضع صعب. اكثر ما يقلقنا تفاقم الحاجات الانسانية وسقوط الجرحى وارتفاع عدد النازحين وسط خشية من ازدياد المشكلات الاقتصادية مستقبلا نتيجة الاثر المدوي للعقوبات المفروضة على النظام".
ثمة 1,4 مليون شخص يحتاجون الى غذاء في سوريا اليوم وفقا لتقديرات برنامج الامم المتحدة الغذائي. ومرد ذلك صعوبة الوصول الى الاسواق، ولا سيما في المناطق التي تشهد معارك كحمص وحماه وادلب. ويترافق هذا الواقع مع خشية من خسارة عائلات كثيرة مداخيلها مما يجعلها اكثر اعتمادا في يومياتها على الدعم الخارجي.
وفيما تبدو اقتراحات انشاء ممرات انسانية ومنطقة عازلة "ذات طابع سياسي" من وجهة نظر الجهات المانحة والشركاء الدوليين، فان الاساس يبقى في رأيها ضرورة التوافق على "عملية سياسية" تسهل ايصال مساعدات كهذه الى ذويها.
في اي حال، 25 مليون فرنك سويسري هي قيمة المبالغ المخصصة للدول الاربع في هذا الجزء من العالم. واذا كانت حصة لبنان منها تراوح ما بين 6 و6,5 ملايين دولار وتستهدف بنوع خاص قضايا اللاجئين، وهجرة العمالة، والمرأة والحماية من الكوارث، فهي تنطلق من قناعة اوروبية وسويسرية راسخة، مفادها "النتائج الوخيمة الناجمة عن الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني والحرب والتقلبات السياسية والازمات الانسانية وخصوصا في العراق ولبنان والتي استتبعت بتهجير قسري للافراد"، وفقا لما ورد في التقرير التابع لمكتب التعاون الاقليمي.
ويبدو ان في جعبة الجهات المانحة سياسات استيعابية واحترازية كثيرة قيد الاعداد تحسبا لاي ارتفاع محتمل في اعداد النازحين، ويطبعها اقتناع مفاده ان الشمال عموما وعكار تحديدا هي اساسا منطقة محرومة، فكيف بالاحرى اذا حصل "تدفق" كثيف للنازحين السوريين؟ وتطرح مديرة مكتب الوكالة السويسرية للتعاون والتنمية في لبنان هبة الحاج فلدر هذه النقاط مستشهدة بحرب تموز 2006 وارتداداتها، وتسأل: "اذا تزايدت الاعداد هل في استطاعة الدولة اللبنانية تلبيتها؟". ويقودها ذلك الى الحديث عن دعم سويسري الى المفوضية الاممية يتمثل في تأمين خبراء في انشاء الملاجئ وتحديد طرق التدخل الممكنة في الازمات، الى دعم اللبنانيين المضيفين للعائلات السورية. ورغم ان تعامل الدولة اللبنانية مع الملف يبقى "منفتحاً جدا" من وجهة النظر السويسرية، الا ان ذلك لا يحول دون اشارة التقرير الاقليمي الى سلسلة نقاط يفترض التوقف عندها.
اولاها، مدى مساهمة التوترات السياسية والاجتماعية في بيئة خصبة في نشوء حركات سياسية متطرفة بدوافع دينية وغالباً ما تكون مرتبطة بحركات عالمية، وثانيها وجود فئة شعبية واسعة من الشباب مستاءة مما يشكل خطرا حقيقيا على صعيد التغيير السياسي نحو الديموقراطية، والخشية من ارتدادات اي ازمة في الاراضي الفلسطينية المحتلة واندلاع موجة عنف في الضفة الغربية وغزة على مخيمات اللاجئين في لبنان.